كانت مجموعات من السياح أو الحجاج تصعد درب الآلام وهي ترتل الأناشيد الدينية في يوم الأحد.. مجموعة شقراء أوروبية وبعدها مجموعة سمراء هندية وبعدها مجموعة أفريقية.. وبعدها مجموعة من الأحباش. هؤلاء حجاج قدموا من بقاع الأرض لزيارة الأماكن المقدسة.. لماذا لا تكون هناك مجموعات مشابهة من المسلمين؟ كان الاكتظاظ شديداً في البلدة القديمة، حجاج مسيحيون ومواطنون سمح لهم بالدخول من الضفة خاصة من هم فوق الخامسة والخمسين وطلاب مدارس من الضفة اصطفوا على بوابات المسجد الأقصى، حركة تجارية نشطة في المدينة بفضل هذا الحجيج وهذه الزيارات.
ويمكن إضافة المزيد من قوافل الزوار إذا تم تنشيط السياحة الدينية الإسلامية للمدينة من دول إسلامية، حيث ما زال هناك من يجادل في شرعية هذه الزيارات ولا يقدم دليلاً شرعياً واحداً عليها, بل ينطلق من دوافع سياسية ومماحكات عقيمة لا طائل من ورائها، عندما توجهت إلى باب الحديد لمحني المقدسي العتيق حسني شاهين في الحي الأفريقي وقادني إلى نادي الجالية, حيث تم تجديده مع بعض المنازل والمواقع بطريقة حسنة بتمويل من البنك الإسلامي للتنمية فاستعاد المكان رونقه، وقادني إلى ضريح الشيخ علاء الدين البصيري الذي يعود إلى 700 سنة تقريبا وقال هذا المكان يمكن استخدامه كمكتبة أيضاً, لكن أحداً لا يتقدم لتعميره. فكل ركن في القدس داخل السور يحتاج إلى ترميم وصيانة حتى يمكن الدفاع عنه في وجه الهجمة الاستيطانية، فالمدينة تواجه الاستيطان وحدها بمعدل 150 معتقلاً شهرياً نصفهم من النساء وربعهم من الأطفال، وعندما عدنا عبر باب العامود توقفنا لدى أحد أصحاب المحلات, فقال "وعدونا بثلاثة آلاف دولار دعماً لكل محل ووقعنا على أوراق ولم نقبض فلساً.. لماذا يأتي المسؤولون لالتقاط الصور في المسجد الأقصى فقط؟".
وقرب باب العامود من الداخل جلس الزميل والمناضل اليساري العتيق علي جدة بسحنته السمراء وقد أنهكه السجن والزمن والمرض.. ماذا تفعل هنا يا صديقي؟ اني هنا انتظر رزقاً.. أحياناً تأتي مجموعات سياحية تطلبني بالاسم فأتجول معها في القدس.. هل يكفي راتب الألفي شيقل لكي أعيش؟
صعوداً نحو طريق نابلس وعلى زاوية الشارع اختفى أحد المعالم المقدسية، إنه كشك الصحف لأبي سلام دعنا.. رحل الرجل الذي كان علامة مميزة في الوسط الصحفي والثقافي وتغير شكل الحائط الذي كان يعلق عليه الصحف والمجلات. سألت بائع كعك ما الذي حدث؟ فقال أزيل الكشك قبل أسبوعين وأعاد صاحب المحل والحائط فتح الباب نحو الشارع.
ذاكرتنا مع القدس تنتعش مع كل زيارة للمدينة, إنها ذكريات أيام الجمر, أيام الانتفاضة الأولى حيث كانت القدس عاصمة النضال.. وحيث كان هناك رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. ففي كل زاوية ذكرى وتاريخ وفي كل اسم تاريخ. اين سكن الناصر صلاح الدين؟ قلت لزميلي عيسى الشرباتي ومحمد زحايكة, فلم يجيبا. كنت قد قرأت للقاضي الفاضل كاتب سيرة صلاح الدين ومرافقه انه توجه الى مكان سكن صلاح الدين عندما كان يعود الى المدينة ليرتاح بعد المعارك, فوجدته في غرفتين متواضعتين, يتوضأ لصلاة الفجر والماء يسيل من يديه بلا حرس او خدم. الزميلان حكّا ذاكرتيهما وقالا لا بد انك تقصد الوقف الصلاحي. توجهنا فورا الى المسجد الصلاحي, وكانت طفلة في الباب سارت امامنا كفراشة حافية القدمين وصعدت امامنا الى المسجد الذي ربما بني بعد صلاح الدين بين كنيسة القيامة والبطريركية الارثوذكسية. وكان هناك درج اقدم من المسجد يفضي الى حجرتين في الأسفل, هما خلوة صلاح الدين. هنا كان يعيش صلاح الدين ويأخذ استراحة المحارب بلا خدم او حشم, هنا كان رجل تاريخي هنا لم يعد هناك رجال تاريخيون.
في القدس : بقلم حافظ البرغوثي

21-04-2015
مشاهدة: 542
حافظ البرغوثي
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها