الشاعرة والكاتبة الفلسطينيَّة نهى عودة
الأسير المُحرَّر جمال أبو محسن (4)
تُعرف الشاعرة الفلسطينية "نهى شحادة عودة" في المجتمع الأدبي العربي باسم "ياسمينة عكَّا"، أبصرت النور في مُخيّمات اللاجئين في لبنان ذات يوم مُندسٍّ بين أعوام ثمانينيات القرن الماضي، وتعود أصولها إلى قرية شعب في قضاء عكّا بفلسطين.. هي ناشطة ومناضلة من أجل الحفاظ على الثقافة والذاكرة الفلسطينية وضمان توريثها لأجيال اللاجئين.. نشرت رواية واحدة وعددا من الدواوين الشعرية، وخصّت جريدة "الأيام نيوز" بمجموعة من القصاصات التي أودع فيها الأسرى المُحرّرون الفلسطينيون بعض ذكرياتهم في رحلة العذاب..
في نهاية عام 1991، بدأ مشواري في سجن الجنيد. ومنذ الدقيقة الأولى من دخولي إلى هذا السجن المرعب، انهال عليّ حوالي 20 شرطيًّا بهراواتهم يضربونني من كل جهة وصوب، فانكمشت على نفسي مثل قنفذٍ، محاولًا اتّقاء بعض الضربات ولكن عبثًا كنتُ أحاول حماية نفسي من هذه الوحوش الآدميّة التي أرادت أن تُوصل لي رسالة منذ الدقيقة الأولى بأنني دخلتُ في "نهاية العالم" أين لا مكان للرحمة والشفقة واحترام إنسانية الإنسان!
سرعان ما صار جسدي يتفجّر بالدماء كأنما هي شلاّل يبحث عن أرضٍ يرويها. ولم أعد أذكر عن تلك الدقائق سوى أنّني بقيت أنزف لمدة طويلة اقتادوني بعدها إلى نززانة انفرادية، ورموا بي هناك لمدّة شهر كامل، وكان الضرب المُبرح هو الوجبة الدائمة التي يقدّمونها لي كل يوم.
خلال مرحلة ما في سجن الجنيد، سمحَت لي لجنة فرز الأسرى أن أكون ضمن المساجين الذين ينتمون إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح). وقد التحقتُ بدورات تعليميّة في مجالات متنوعة منها إعداد الكادر التنظيمي، وأيضا تعلّمت بعض اللغات حديثًا وكتابة. وحفظت كثيرا من الشِّعر، كما حفظت الكرّاسات الوطنية، وأتقنت أساليب النقاش السياسي.. حاولتُ أن أستثمر الوقت في تكوين نفسي فكريًّا ومعرفيًّا وعلميًّا لأخدم وطني إذا ما سنحت لي الظروف بذلك. تعلمتُ اللغة العبرية والإنجليزية، وقواعد اللغة العربية، وقرأت كتبا عديدة لفلاسفة عظماء ومفكّرين عرب وغربيين، كما قرأت تاريخ الثورات مثل: الفيتنامية، الجزائرية، الليبية.
في عام 1992، صعقني خبر تهديم منزلي عقابا لي على مشاركتي في الانتفاضة، لم يكتفوا بذلك بل حكموا عليّ بالسجن مدى الحياة.، لكن ذلك لم يكسر إرادتي وعزيمتي لأن يقيني راسخٌ بأن القيد لا بدّ أن ينكسر، وهذا السجن مهما طال وجوده فإنه ستهدّم يوما لا ريب في ذلك.
لا فرق بين الأيام في السجن فكل الأيام تتشابه وكأن العمر ذاته يتحوّل إلى يوم طويل مُشبع بالأوجاع النفسية والجسدية، يزداد طولا كلما أضيف أسيرٌ جديدٌ إلى هذا السجن، فنسمع أوجاعه وأنينه من فرط التعذيب ولا نستطيع أن نفعل له شيئا سوى مواساته بالكلام إن كانت لنا فرصٌ تمتدُّ فيها أصواتنا إليه.
وأكثر ما نتقنه في السّجن هو أن نكلّم أنفسنا ونُنصت إلى صوت أعماقنا، نسأل ونجيب في الوقت نفسه، فلا الأسئلة تنتهي ولا الأجوبة تُقنع.. هذه البلاد بلادنا، والأرض أرضنا، والزيتون زيتوننا، وملامحنا تشكّلت من ذرّات ترابنا، ثم هبّ هذا المُحتلّ الغاصب المتوحّش تحت رايات البلدان التي يُقال عنها مُتحضّرة، وراح يحاول اقتلاعنا من جذورنا وتاريخنا وأصالتنا، وزجّ بنا في سجونٍ أقامها على تُربتنا، ومارس علينا أبشع أنواع التعذيب والقهر.. وكان السؤال الذي ينتابنا دائمًا: أين العدل، أين التحضّر، أين رافعو شعارات حقوق الإنسان؟ سؤالٌ واحدٌ يتمدّد: أين، أين، أين.. ولكنه لا يلقى جوابًا واحدًا، ربّما لأن العالم أجمع يعيش في أكذوبة كبرى تحكمها الدول القويّة المتجبّرة بما تمتلكه من أسلحة الدّمار!
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها