في حرب الإبادة التي تقودها الإدارة الأميركية بالتعاون مع إسرائيل وحلفائها في الغرب الأوروبي منذ ستين يومًا خلت حتى الآن على الشعب العربي الفلسطيني في محافظات الجنوب، والتي أودت بحياة ما يزيد عن ستة عشر ألفًا من الشهداء وما يتجاوز الثلاثة والأربعين ألفًا من الجرحى، وسبعة آلاف وستمئة من المفقودين، وتدمير مئات الاف من الوحدات السكنية كليًا وجزئيًا، واستباحة المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس والبنى التحتية وفرض الحصار الشامل والعقاب الجماعي على أبناء الشعب هناك، لا يمكن لهذه القوى الاستعمارية أن ترى جرائم حربها، ولا أن تقر بها، أو تعترف بوجودها. لأنها بذلك توجه أصابع الاتهام لذاتها ولحلفائها واداتهم الوظيفية الدولة العبرية، وتقدم اعترافًا مجانيًا للعالم وللمحاكم الأممية ذات الصلة بملاحقتها. 


ويخطىء من تفاجأ برد ماثيو ميلر، الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية أول أمس الاثنين الموافق 4 ديسمبر الحالي على سؤال وجهه مراسل "القدس" دوت كوم في مؤتمره الصحفي بخصوص ما إذا كان يعتبر مقتل 700 فلسطيني مدني، نصفهم من الأطفال خلال 24 ساعة دليلاً على "التحسن في حدة الهجمات"، دليلاً على أن إسرائيل تستمع للرغبة الأميركية بالتخفيف من معاناة الفلسطينيين، فكان رده "لم ارَ دليلا على انهم يقتلون المدنيين عمدًا. بيد أنه يعترف بذلك مواربة بالقول، علما بأننا نعتقد أن عددًا كبيرًا جدًا من المدنيين قد قتلوا، وعاد ليغطي جرائم الحرب الأميركية الإسرائيلية بذريعة واهية ومفضوحة، حينما أردف قائلاً: لكن مرة أخرى، يعود هذا إلى المشكلة الأساسية لهذا الوضع برمته، وهي أن حماس قد زرعت نفسها داخل المدنيين – داخل منازل المدنيين، داخل مساجدها، وفي المدارس، وفي الكنائس، إن حماس هي التي تعرض هؤلاء المدنيين للخطر. وهذه ذريعة اقبح من كل الذنوب، واستباحة فاجرة للقانون الدولي.


وللتضليل وخداع الرأي العام الأميركي والعالمي على حد سواء، والايحاء أن هناك تقنين وتخفيف من عمليات الايغال في دم الأبرياء الفلسطينيين، رغم مشاهدة العالم كله جرائم الحرب الفاجعة والدامية ضد المدنيين عمومًا والأطفال والنساء خصوصًا دون رتوش أو التباس يُصر ميلر على أن حرب الأرض المحروقة في الأيام القليلة الماضية في جنوب قطاع غزة "لا تبدو مثل العملية التي جرت في الشمال". وبذرائعية وقحة يدعي "عند بدء العمليات ( لا يشاء ولا يريد استخدام مفهوم حرب الإبادة) رأيتهم يطلبون أو يأمرون أكثر من مليون شخص بالتحرك. لقد رأينا طلبًا أكثر استهدافاً لعمليات الإخلاء هذا. حيث حددت قوات الدفاع الإسرائيلية (يحصر عمليات القتل والإبادة بالاسرائيليين، ويغفل دور إدارته عن سابق عمد وإصرار) أحياء معينة تخطط لاجراء عمليات عسكرية فيها، وحث السكان في تلك الاحياء مسبقا على التحرك، بدلاً من إخبار مدينة بأكملها لإخلاء منازلهم، وهذا تحسن... لقد أمروهم بالانتقال إلى المناطق التي نعرف أنها مناطق خفض التوتر. أنه أحد الأشياء التي ناقشناها معهم الأسبوع الماضي". وهنا اعتراف ضمني بانهم أصحاب قرار الحرب والابادة على أبناء الشهب الفلسطيني. ويتابع لذا فإن المرافق التي تدعمها الأمم المتحدة يمكن أن يكون الناس فيها بعيدًا عن الأذى".


وتجاهل كليًا ميلر أن تلك المدارس والمستشفيات والكنائس والمساجد، أماكن إيواء المواطنين العزل والأبرياء، ضحايا الحرب الأساسيين، والذين دفعوا ثمنا باهضا من أرواح أبنائهم ونسائهم وشيوخهم تتعرض على مدار الساعة لعمليات القصف والتدمير، وهناك ما يزيد عن 69 مدرسة خرجت كليًا عن العمل و275 جزئيًا ونحو 26 مستشفى و100 مسجد دمرت و192 تدميرًا جزئيًا و3 كنائس تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، ودورة الحرب تستعر نيرانها ومجازرها ومذابحها منفلتة من عقال القانون الدولي، والقانون الإنساني الدولي.  


كما أنه ووزير خارجيته، بلينكن رئيس الكابينيت الحربي المشترك، ومن خلال ما ذكره في مؤتمره الصحفي، وما اعلنه رئيس الديبلوماسية الأميركية مرات عدة، أرادوا إبادة أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بالدحرجة وتجزئة عمليات البطش والقتل في الشمال والجنوب، حتى لا تتعاظم ردود الفعل الدولية في أوساط الدول والشعوب بما فيها الرأي العام الأميركي والاوروبي الغربي، وليخفوا عارهم ووحشيتهم وفاشيتهم المتأصلة، ومع ذلك حرب الإبادة الصهيو أميركية على الأرض لم تتراجع حدتها وجهنميتها وسرياليتها، وأعداد الشهداء والجرحى في ارتفاع ملحوظ يومًا تلو الآخر، وعمليات التدمير للوحدات السكنية في ازدياد مفجع. 


ولعبة الاستغماية التي يمارسونها بالادعاء، أن الإسرائيليين لم يعودوا يطالبون مدن كاملة بالنزوح، هي لعبة مكشوفة وينطبق عليها ما ذكر انفا بتجزئة التدمير والإبادة لكل معالم الحياة. وأن كانت الإدارة الأميركية جادة في انهاء حرب الإبادة عليها أن توقف الحرب فورًا، وأن تطلب من حاملات طائراتها وغواصاتها وبوراجها وما يخص حلفائها وأداتهم إسرائيل أن يغادروا القطاع والسواحل الفلسطينية دون انتظار للحظة واحدة، وأن يؤمنوا الحماية الدولية للشعب ويرفعوا الحصار الكامل عن أبناء الشعب العربي الفلسطيني دون شرط أو قيد، والذهاب للحل السياسي على أساس خيار حل الدولتين على حدود الرابع من يونيو 1967. لكنهم لن يفعلوا. لأن أهدافهم حتى الآن لم تتحقق. ودورة الحرب متواصلة.