يبدو أن خلط سياسة قذرة بالرياضة كحياة نقية نبيلة أسوأ ما يحدث الآن، فأصحاب نظرية التفوق العرقي، ومعهم الذين لا يرون العلاقة بين الدول والشعوب والأمم إلا عبر القوة والاخضاع والسيطرة، يفقدون السيطرة على انفسهم عندما يرون دولا وشعوبا قد انتزعت مكانتها تحت الشمس، وأكدت قدرتها واستطاعتها في تقديم الأحسن والأفضل لأمة الانسان، وفق اصول التحرر من نزعة التفوق والتمييز التي كانت سببًا للحروب، وسياسة استعمار الشعوب، ونهب ثرواتها، وابقائها في صورة نمطية تحرص على إدامتها .. ونعتقد أن قول رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو كان في الصميم ووضع النقاط على الحروف عندما طالب "باعتذار دول لعبت هذا الدور من الشعوب قبل إعطاء الدروس " وتمتع بمسؤولية عالية عندما شهد لصالح نجاح قطر بالتنظيم على احسن وأعلى المستويات بقوله :" أنا متأكد أنّ كأس العالم في قطر 2022 ستكون الأفضل،وفخور بكل من عمل جاهداً على إنجاح هذا الحدث الكروي العالمي". ولعل شهادة شخص بهذا الموقع يحمل جنسيتين سويسرية وفرنسية ويتكلم خمس لغات بينها العربية، علمًا أن زوجته لينا الأشقر لبنانية الأصل.
تعتمد مؤسسات دولية كبرى ثقافية أو اجتماعية شعارًا ترجمته إلى العربية يعني " أنا أستطيع " ويمكن للفرد أو المجموعة، أو المجتمعات، أو الشعوب، والجمعيات والمؤسسات والدول أخذه كقاعدة انطلاق، وتحفيز الارادة لإثبات الذات، ما دام ممكنًا توفير الامكانيات النظرية والفكرية والابداعية والمادية، ليس لتنفيذ الأفكار وحسب، بل تحويلها إلى حالة نوعية متميزة ومتفردة، وهذا ما نعتقد أنه الدافع الأهم لدى الاشقاء العرب في دولة قطر، لإصرارهم على النجاح بتنظيم ( مونديال 2022 ) لكرة القدم وهي المسابقة الرياضية الأهم عند شعوب العالم ، فقطر ونيابة عن كل العرب استطاعت كسر اطار الصورة النمطية ( شخص في الصحراء على جمل ) وتحرير مضمون ومعاني الصورة وتقديمها بما ينسجم مع التطور المادي والاقتصادي والانساني، دون المساس بعناصرها الثقافية المميزة . . فالشعوب تعتز بموروثها، وسمات أوطانها التي هي خير مثل سمات الخير والجمال في أوطان الآخرين .
نؤمن بالرياضة على أنواعها أنها رسالة سلام بين الشعوب، أبجديتها المنافسة القائمة على الروح الرياضية المستمدة أساسًا من الأخلاق الانسانية الحميدة، وأنها فرصة للقاء وتواصل ثقافات، ومعرفة بمعاني وابعاد السلوكيات المنبثقة عنها، سواء كانت أعرافًا اجتماعية موروثة أو معتقدات دينية، وهنا بيت القصيد فكما أن لأي لعبة رياضية قواعد وقوانين قائمة على أسس أخلاقية، فإن سلوك الجمهور في محيط اللعبة وحدود التماس معها يجب ألا يتجاوز القوانين والنظم الضامنة لسلامة جوهر القصد من اللعبة الرياضية، فالمشروبات الكحولية التي اتخذ الفيفا والدولة المنظمة قطر قرارًا بمنع احتسائها في المدرجات ، كما فعلت دول اوروبية عدة من قبل، إضافة لمنع رفع رموز وبيارق (المثليين)، أو استخدام شارات قيادة للمنتخبات تحمل ذات المضمون ، فهذه قضايا ركز عليها وأثارها المنافقون - كما وصفهم إنفانتينو- لضرب انجاز دولة عربية غير مسبوق، رئيس الاتحاد الدولي، ولمنع تواصل الجماهير الأجنبية الوافدة من قارات العالم إلى قطر بهذه المناسبة من التعرف والتعارف على شخصية العربي الحقيقية، آخذين بعين الاعتبار وجود جماهير عربية من كل الاقطار العربية موجودين بحكم عملهم واقامتهم في قطر، أو جماهير حضرت خصيصًا لتشجيع منتخبات بلادها، وبالتأكيد ستتاح فرص كبيرة لهذه الجماهير للتواصل مع جماهير البلدان الأجنبية، والتعبير عن أهم القضايا التي تعتبر بمثابة تحديات حقيقية تواجه الأمة العربية، وأهمها الحق الفلسطيني ( قضية فلسطين ) لذلك فإن الأشقاء العرب نراهم يرفعون علم فلسطين إلى جانب أعلام بلادهم، وتنافس بعض المنتخبات على استخدام ألوان أو رسم علم فلسطين على شارة القيادة .. فمبارك الانجاز لقطر ومبارك لكل العرب أيضًا.
المصدر: الحياة الجديدة
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها