خلال الحرب الباردة حاول هنري كيسنجر إعطاء مصطلح الشرق والغرب بعدًا قيميًا، وقال إن ما يجمع الدول الغربية هو اكثر من المصالح، انها مسألة لقاء في المبادئ، والمقصود ان ما يجمع الغرب هو القيم الديموقراطية. أما تاريخيًا فقد كان لمصطلح الشرق والغرب، مضمونًا اقتصاديًا، اجتماعيًا وثقافيًا، ويعود التميز بين ما هو شرق وما هو غرب الى طبيعة النظام الاجتماعي، وبالتحديد نمط الاقطاع الآسيوي، الذي اطلق عليه ماركس في الربع الاخير من القرن التاسع عشر " نمط الانتاج الآسيوي"، أي ان هناك طبقة حاكمة مستبدة موجودة في المدن الرئيسية تستغل فائض انتاج الريف دون رحمة. وفي الوقت الذي تحدث فيه ماركس عن نظريته بخصوص نمط الانتاج الاسيوي، كانت معظم دول أوروبا قد انتقلت إلى نمط الإنتاج الرأسمالي الصناعي، وتتحول تدريجيًا إلى دول إمبريالية.
مع الحرب الاوكرانية، وبروز الصين كدولة منافسة اقتصاديَا على الساحة الدولية، عاد استخدام مصطلح الشرق والغرب. والعودة هذه المرة لها مضمون مختلف، فهي وسيلة تستخدمها الاطراف المنخرطة بالصراع للتجييش، وخلق تحالفات أكثر كونها نمطًا انتاجيًا. ونلاحظ أن روسيا اليوم هي الاكثر استخدمًا لهذا المصطلح، للاشارة أن صراعها مع الغرب، كما وكأنه استمرار لذلك الصراع بين المعسكرين الاشتراكي بقيادة الإتحاد السوفياتي، والرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة. خلال الصراع القديم المشار إليه أي خلال الحرب الباردة، كان الغرب هو الاكثر استخدامًا للمصطلح وإعطاءه بعدا ليبدو أنه صراع بين غرب ديموقراطي، وشرق شمولي.
ومع غياب المعسكر الاشتراكي، أصبح الغرب والشرق رأسماليًا، ربما باستثناء الصين التي صممت لنفسها نظامًا اقتصاديًا هجينًا يقوده الحزب الشيوعي منفردًا. ومع تداخل التحالفات بين من كانوا غربا ومن كانوا شرقاً، فعلى سبيل المثال، الولايات المتحدة الأميركية لديها حلفاء في آسيا ربما موثوقون أكثر من حلفاء لها في أوروبا ولا يقلون ديموقراطية عنهم، مثل كوريا الجنوبية واليابان، كما أن أستراليا و نيوزلندا الموجودة في شرق العالم جغرافيًا هي غربية بالصميم.
ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي، لم يعد مصطلح الحرب الباردة "الشرق والغرب" قابلاً للاستخدام، استبدله الغرب بمصطلح آخر هو "صراع الحضارات"، الذي استخدمه للمرة الاولى عام 1993 المفكر الاميركي صامويل هنتنغتون، للتعبير عن أن الصراع لم يعد بين الدول القومية بل هو صراع ثقافي بين الديموقراطية الليبرالية العلمانية، والحضارات الاخرى. وتغذى مصطلح صراع الحضارات من احداث 11 سبتمبر 2001، ليبدو الصراع مع الحضارة الإسلامية.
كما أشير سابقا، فإن مصطلح الشرق والغرب عاد للاستخدام بقوة من قبل الرئيس بوتين والمسؤولين الروس، ولكن توزيع العالم على التحالفات هو في واقع الامر خليط من الشرق والغرب، صحيح أن حلف الأطلسي هو حلف غربي ولكن انضمت إليه مؤخرًا دول من شرق أوروبا، التي كانت جزءًا من حلف وارسو سابقًا، الذي كان يمتد من ألمانيا الشرقية وحتى كازخستان شرقًا. الظرف الدولي هو اشبه بما كان عليه ما قبل الحرب العالمية الثانية وحتى ما كان عليه قبل الحرب الأولى، مجموعة دول رأسمالية تتصارع على النفوذ، ولا ينطبق عليها بدقة مصطلح الغرب والشرق، فروسيا بالنسبة للصين هي غرب، كما ان هناك شرق ضد شرق في آسيا تحديدًا، اليابان وكوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية، وحلف استراليا واليابان وتايون المتحالفين مع الولايات المتحدة ضد الصين.
وفي الغرب كوبا وفانزويلا حليفة لروسيا والصين، أما أفريقيا فالصراع بين كل المعسكرات يدور في القارة السوداء، التي كانت على امتداد عقود وما زالت منجمًا للدول الصناعية الغربية. على أية حال فمصطلح الغرب والشرق بمعناه السياسي لم يعد يحمل نفس المضمون الذي كان إبان الحرب الباردة، حيث كان هناك معسكران يتقاسمان أوروبا شرقها وغربها وبينهما تناقض ايديولوجي جذري، فلا خارطة الصراع الجغرافية هي كما كانت عليه ولا يكتسب الصراع بعدًا ايديولوجيا كما كان في النصف الثاني من القرن العشرين.
ملخص القول أن خريطة الصراعات والتحالفات ليست بالضبط شرقًا وغربًا وربما اللدق هي صراع على النفوذ بين الدول الكبرى، وهي تحالفات قد تتغير وتتبدل انطلاقًا من رؤية هذه الدول لمصالحها.
المصدر: الحياة الجديدة
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها