التقيت به في فندقٍ في مدينة عمّان استضاف مجموعة بارزة من الأدباء والشعراء العرب من مصر والعراق ولبنان والأردن وفلسطين المشاركين في مهرجان جرش الثّقافيّ في صيف العام 1995 فشدّني اليه بلطفه وثقافته وصدقه وابتسامته الّتي لا تفارق وجهه الجميل وشعرت كأنّني أعرفه منذ سنوات وربّما لعبنا معًا في طفولتنا على بيادر وكروم دير الغصون أو ميعار، وجلست ساعاتٍ أتحاور مع خيري منصور الشّاعر والأديب والباحث والصّحافيّ كاتب المقالة القصّيرة أو الخاطرة الأدبيّة المولود في العام 1945 في قرية دير الغصون الجميلة قرب مدينة طولكرم والّذي أبعده الاحتلال الاسرائيليّ من الوطن فعاش المأساة الفلسطينيّة في الكويت والعراق ولبنان وتونس والأردن وصوّرها في قصائد يقطر منها الوجع والإيمان والأمل: "في غرفةٍ رطبه، في الفندق المائل قرب الجسر، أقمت أسبوعين، أقرأ حتّى الفجر، روايةً عن ساكنٍ في فندقٍ مائل، في غرفةٍ حيطانها مدهونة بالحبر، في غرفةٍ عمياء، في الفندق النّائم تحت الماء، قضيت أيّامًا بلا أسماء، أقرأ حتى الموت روايةً أبطالُها من صمت، أحداثها من صمت، عنوانها الممسوح.. هذا الوقت."

صدر لخيري منصور خمسُ مجموعاتٍ شعريّة هي: غزلان الدّم، لا مراثي للنّائم الجميل، ظلال، ألتّيه وخنجرٌ يسرق البلاد، الكتابة بالقدمين، كما صدر له في النّقد: الكفّ والمخرز، أبواب ومرايا، وله سيرة ذاتيّة اسمها "صبيّ الأسرار".

في عفويةٍ جميلة يرثي شهيدًا فلسطينيًّا قد يكون من غزّة أو زهرة المدائن أو جنين أو الخليل أو النّبي صالح فيكتب: "لستُ أرثيه، لا أعرفه، الحجارةُ تعرفُه، والمدى يعرفُه، والرّياح الّتي نقلت شارة السّرّ تعرفُه، وقبر أبي تحت زيتونة المنتهى يعرفُه، ودير الغصون الّتي راح يبحث عنها بمنخفضٍ في دمه تعرفه."

وفي قصيدة "وصيّة" يبرز استثماره للأغاني التّراثيّة فيكتب:" يا رايحين عَ صبرا، حزني طلعلوا جناح، لا ترجعوا حتّى الشّهيد يرتاح. يا طالعين من بيروت، قلبي انشطر نصّين، واحد على ولدي، وواحد معاكم راح".

من المؤسف أنّ خيري منصور توقّف عن كتابة الشّعر وانشغل في الصّحافة والبحث والنّقد والمقالة ولو تابع هذا الشّاعر الموهوب المسيرة الشعريّة لكان في طليعة الشّعراء الفلسطينيين الّذين أثروا الشّعر الفلسطينيّ والعربيّ بأعمالهم.

رحل صديقي خيري منصور قبل أيّامٍ (أيلول2018) بهدوءٍ منشطر القلب بدون أن يحظى بقبرٍ في وطنِه ولعلّه كان يردّد قوله: "قد يطولُ الطّريقُ الى قُرطُبه، قد يضيع الطّريق، غير أنّ الحنين الى قُرطُبه، سيظلّ يديرُ الشّراعَ، ويُرخي لجامَ الجّوادِ، الى غرفةٍ، وجدارٍ يزيّنه سرج مُهرٍ، وسيفٌ يحدّقُ في مكتبَه".