إن نشر قيم وأخلاقيات السلام وسلوكياته قولاً وفعلاً، والالتقاء في نقطة الانتصار لمنهج الشرعية الدولية وقوانينها ومواثيقها، سيبقى المعيار لقياس انسجام نظام أي دولة في العالم مع مبدأ السلام وشريعة حقوق الإنسان، ولقياس التزامها بمنهج العدالة والمساواة بين الأفراد والمجتمعات والشعوب، وانطباق هذا المبدأ على جميع الدول بدون تمييز أو استثناء.

نحن نعلم أسباب إمعان منظومة الاحتلال (إسرائيل) باحتقار الشرعية الدولية، والقانون الدولي، ورفض تنفيذ حتى قرار واحد، من حوالي 800 قرار بخصوص الحق الفلسطيني، صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والمنظمات والهيئات التابعة لها، على رأسها مجلس الأمن، الذي تعتبر قراراته ملزمة، فذلك ليس بسبب مظلة حماية وإسناد بلا حدود، وفرتها الإدارات الأميركية المتعاقبة وحسب، بل بسبب هيمنة دول استعمارية ساهمت مع الولايات المتحدة الأميركية بإنشاء إسرائيل، ونفوذها الذي يمكنها من تبخير مفاعيل قرارات أممية هامة متعلقة بفلسطين، وتعطيل أو عرقلة قرارات صادرة عن (المحكمة الجنائية الدولية) و(محكمة العدل الدولية) و(مجلس حقوق الإنسان) ومماطلة دول أعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي، في بلوغ القرار الصحيح الصائب للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بقيام دولته المستقلة على ارض وطنه المحتلة منذ الخامس من حزيران سنة 1967.

أما الجديد، فهو مستوى الإرهاب (الدعائي والسياسي) الذي تمارسه حكومة الصهيونية الدينية برئاسة نتنياهو في إسرائيل، على (المحكمة الجنائية الدولية) و(محكمة العدل الدولية)، فنتنياهو المتهم بارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني، المطلوب للمثول أمام العدالة الأممية (الإنسانية)، وصف الجنائية الدولية بعبارة: "محكمة فاسدة" بالتزامن مع إعلان حكومته المتفاخرة علنًا بممارسة الابادة الجماعية، وإرهاب الدولة، الانسحاب من عضوية (الجنائية الدولية)، وهذا ما يمكن اعتباره، أكثر من تمرد اسرائيلي على الشرعية الدولية، وأخطر بكثير من مجرد مجرم حرب هارب من وجه العدالة، يمتلك الوقاحة لتسفيه وقذف الجنائية الدولية التي تستنجد بها الشعوب المظلومة، لتحقيق العدالة ومحاسبة المجرمين، الذين قرروا قتل عشرات ومئات آلاف الأبرياء، فما قاله نتنياهو يبين لنا فظاعة دوره في عملية إقصاء القانون الدولي، وفرط عقد الشرعية الدولية، وتعطيل مناهجها ومواثيقها، وإحراق قراراتها، وتحويل قراراتها إلى رماد، وهيئاتها إلى ركام، والحلول مكانها بالقوة العسكرية، بموقع الآمر والناهي، فالمنظومة الصهيونية الدينية التلمودية، لا يمكنها العيش بدون سياسة (جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية) منهجًا، المطبقة عمليًا بالاحتلال والإبادة والاستيطان، فساستها وجنرالاتها ما زالوا في محبس قرون الاستعباد بالحروب، والمجازر، والهيمنة بقوة السلاح، ولم يغادروه، رغم مظاهر الحداثة.

 فهذه الحكومة التي يتفاخر رئيسها باغتيال عملية السلام، قد وأدت مبكرًا فكرة السلام في المجتمع الاسرائيلي، ونفخت في جمر العدائية المطلقة، والانقلاب على اتفاقيات السلام، وللاستمرار بسياسة الاحتلال والاستيطان وإرهاب الدولة، ولنا في تصريح وزير الخارجية في حكومة نتنياهو (جدعون ساعر) حكومة نتنياهو التي تفسد بسياستها الأمن والاستقرار والسلام في العالم، الدليل، فقد عاد هذا ليصف أرض دولة فلسطين المحتلة: "أرض متنازع عليها وليست محتلة" لينسف فتوى (محكمة العدل الدولية) التي اجابت حول الآثار القانونية الناشئة عن انتهاك إسرائيل المستمر لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وعن احتلالها طويل الأمد للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 واستيطانها وضمها لها: "إن وجود حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره لا يمكن أن يخضع لشروط، فهو حق غير قابل للتصرف، وإن استمرار وجود إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة ينتهك حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة وحق الشعب في تقرير المصير. سوء استخدام إسرائيل المستمر لسلطتها كقوة احتلال من خلال سيطرتها الدائمة واستمرار إحباط حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير يجعل من الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة غير قانوني. وإن إسرائيل ملزمة بإنهائه في أسرع وقت ممكن".