بقلم: الحارث الحصني
بينما يحل الظلام في خربة الفارسية، حيث تنعدم البنية التحتية، تظل المصابيح المضيئة علامة على الصمود الفلسطيني في قلب الأغوار الشمالية. لكن مع كل عائلة ترحل قسرًا تحت وطأة تصاعد اعتداءات المستعمرين وجيش الاحتلال الإسرائيلي، ينطفئ مصباح آخر، ويخبو نور هذا المكان الذي كان يومًا نابضًا بالحياة.
في نبع غزال، إحدى الامتدادات الجغرافية لخربة الفارسية، لم يكن أحد قبل عامين يتوقع أن يصل الحال إلى ما هو عليه اليوم، حيث تطورت الهجمات الاستفزازية للمستعمرين على التجمع، لتصبح اعتداءات يومية تُطال مناحي الحياة وتهدد الوجود الفلسطيني برمته.
ولم تكن فكرة الرحيل واردة لدى لؤي دراغمة، أحد أكثر المواطنين في التجمع عرضة لاعتداءات المستعمرين وجيش الاحتلال على حد سواء، إلا أن فقدان الشعور بالأمن في منطقة باتت تطوقها البؤر الاستعمارية والمستعمرات دفعه إلى إعادة التفكير في الأمر.
ويقول دراغمة: "بات الأمر اليوم أكثر خطورة، نتحدث عن استهداف منظم للتجمع من قبل المستعمرين".
ويسود تخوف حقيقي بين المواطنين في التجمعات القريبة من أن ترحل عائلات "نبع غزال" قسرًا عن التجمع.
وقصة نبع غزال، هي نسخة كربونية لتجمع فلسطيني في الأغوار الشمالية كان يزهو بالحياة قبل أن تنطفئ مصابيحه.
وخلال العام الماضي، أصبحت ثلاثة تجمعات في الأغوار الشمالية (أم الجمال، خلة خضر، وادي الفاو)، خالية تمامًا من المواطنين نتيجة للترحيل القسري لحوالي 45 عائلة فلسطينية كانت تسكن فيها، بعد تصاعد وتيرة اعتداءات المستعمرين.
وأصبح إرهاب المستعمرين ضد المواطنين العزل في تجمع نبع غزال، أكثر تنظيمًا وأكثر شمولية.
ويوضّح دراغمة: "في المرة الأولى جاء المستعمرون على مقربة من خيامنا، اليوم هم يحاولون مداهمة خيامنا وهم مسلحون".
دراغمة الذي صار يمتلك معرفة كافية للتعامل مع هذه الحوادث، يضيف: "يأتون وينتظرون أن نضرب أحدهم ليحضروا الجيش والشرطة".
وبالنسبة للشاب وعائلته فإن الرحيل أوشك على الحدوث، موضحًا بأن الاحتلال يريد تهجيرهم من المنطقة، ويهاجم خيامهم بشكل منظم".
في الفترة الأخيرة، أصبحت الأخبار المأساوية تخرج بشكل يومي من الفارسية، عن الاعتداءات التي لا تتوقف بحق المواطنين، وخلال الأسبوع الأخير من شهر رمضان، تعرضت العائلات في المنطقة لأكثر من محاولة من المستعمرين لمداهمة خيامها ليلاً.
ومع تدهور الوضع، دون أن يكون هناك حل جذري لهذه المأساة الحقيقية في الأغوار، خاصة مع مواصلة حكومة الاحتلال سياسات التهجير القسري والاستيلاء على الأراضي والضم، بدأت عائلة دراغمة وأشقاؤه في البحث فعليًا عن مكان أكثر أمنًا.
يشير رئيس مجلس قروي المالح والمضارب البدوية مهدي دراغمة، إلى أن المستعمرين الذي يهاجمون خيام المواطنين في نبع غزال، نفسهم الذين يهاجمون المواطنين في عين الحلوة. لكن، في نبع غزال تتوارى الخيام بعيدًا عن الأنظار، عكس عين الحلوة التي تتواجد فيها الخيام على مقربة من الطريق العام.
ويضيف: إن خروج هذه العائلات السبع من نبع غزال، هو إعلان واضح عن إفراغ الأغوار الشمالية تمامًا من العائلات التي تسكن في الخيام.
ويؤكد تقرير لمركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم"، بعنوان "تجمعات سكنية مهددة بالتهجير"، مساعي الاحتلال الإسرائيلي لتهجير الفلسطينيين من الأغوار بهدف الاستيلاء على الأراضي لصالح التوسع الاستعماري.
ويقول التقرير: "منذ عشرات السنين تطبّق السلطات الإسرائيلية سياسة هدفها تهجير هذه التجمّعات عبْر خلق واقع معيشيّ يصعب تحمّله إلى حدّ اليأس منه، ومن ثمّ الدفع بهؤلاء الفلسطينيين إلى الرحيل عن منازلهم - وكأنّما بمحض إرادتهم".
ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، استولت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على أكثر من 52 ألف دونم من أراضي المواطنين، وأصدرت 13 أمرا عسكرياً يترتب عليها إنشاء مناطق عازلة حول المستعمرات، وأقامت 60 بؤرة استعمارية جديدة، وفقا لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
وتشير الهيئة في تقرير صدر عنها مؤخرا إلى أن عدد المستعمرين في مستعمرات الضفة الغربية بلغ ما مجموعه 770 ألفًا، يتمركزون في 180 مستعمرة، و256 بؤرة، منها 136 بؤرة زراعية رعوية تستولي على أكثر من 480 ألف دونم (يتمركز معظمها في الأغوار والسفوح الشرقية) بما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة بناء المستعمرات القائمة.
وخلال عام 2024، أدت إجراءات الاحتلال واعتداءات المستعمرين إلى تهجير سبعة تجمعات فلسطينية تتكون من 34 عائلة يبلغ عدد أفرادها 215 شخصًا، ليضافوا إلى 22 تجمعًا بدويًا فلسطينيًا تتكون من 277 عائلة يبلغ عدد أفرادها 1707 أشخاص، تم تهجيرهم من أماكن سكنهم إلى أماكن أخرى بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها