بقلم: محمد دهمان
كانت هيا مرتجى تحلم بإنشاء استوديو خاص بها، لتسجيل أغاني الأطفال، وإنتاج محتوى هادف لهم، يجمع بين التعليم والترفيه، فصوتها العذب كان يملأ قنوات اليوتيوب والمنصات التعليمية، إضافة إلى قدرتها على كتابة الشعر والخواطر، وأداء الدوبلاج لشخصيات الكرتون، لكن هيا ماتت من الخوف.
وُلدت هيا مرتجى (30 عامًا) وعاشت في مدينة غزة، درست الإعلام والعلاقات العامة في الجامعة الإسلامية، وعملت في مجالات عديدة، كان أبرزها الصحافة والإنتاج الإعلامي، إضافة إلى شغفها الكبير بتقديم الأغاني والبرامج للأطفال، كانت تُعتبر من الشخصيات الإعلامية البارزة في غزة.
لم تختلف هيا عن باقي العائلات الغزية، فمنذ بدء العدوان على قطاع غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، اضطرت للنزوح مع زوجها محمد الشناط وطفلتيها الصغيرتين شام ومريم بحثا عن الأمان، في رحلة مليئة بالقهر والألم قضتها متنقلة بين رفح، وأرض المفتي، ودير البلح، والنصيرات، في محاولة يائسة للنجاة من القصف الإسرائيلي الذي لم يترك شيئًا إلا وطاله في القطاع.
استطاعت هيا أن تنجو من القصف مرات عديدة، لكن صوت الصواريخ أثار الرعب لديها، فكان قلبها أصغر من أن يحتمل كل ما يمر به القطاع من إبادة وقصف، لتصيبها سكتة قلبية نتيجة الخوف، تقعدها في المستشفى لأيام وترحل بعدها تاركة لزوجها مسؤولية تربية طفلتيها.
تقول عائلتها: إن "هيا كانت تخاف من الصواريخ وأصوات الإنفجارات منذ صغرها، وما حصل معها هو أنها عادت إلى بيتها في شمال غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار، دون أن تدرك أن حلم الهدوء وانتهاء العدوان لن يدون طويلاً".
في 19 آذار/مارس، أي بعد يوم على استئناف الاحتلال عدوانه على قطاع غزة، عقب اتفاق وقف إطلاق النار، اشتد القصف، ولم تستطع معه هيا أن تحتمل، فأصابها خوف شديد ناجم عن أصوات الصواريخ، وأصيبت بغيبوبة مفاجئة، وتوقف قلبها عن النبض، بقيت على أجهزة التنفس الاصطناعي في المستشفى الكويتي الميداني لمدة عشرة أيام، قبل أن يعلن الأطباء وفاتها في الأول من نيسان/أبريل الجاري.
زوجها محمد الشناط الذي لا يستطيع تصديق أن زوجته استشهدت، يقول: إنها كانت خائفة دائما من القصف، لم تكن تحتمل أصوات الصواريخ، لكنها رغم ذلك بقيت تغني للأطفال حتى آخر أيامها، ابنتاي لا تفهمان بعد أن أمهما استشهدت، كل يوم تسألاني عنها وتنتظرانها لا أعلم ما أقول لهما.
تتذكر والدتها رانيا مرتجى محادثات ابنتها المتكررة التي كانت تجريها معها منذ بداية العدوان، حيث كانت هيا تخبرها بخوفها وقلقها من استمرار القصف، وكل ما كانت تتمناه هو انتهاء العدوان، كانت خائفة على ابنتيها، مرعوبة من أصوات الصواريخ.
تقول: إن الأطفال يحبونها، دائمًا تقلد لهم أصوات الشخصيات الكرتونية وتغني لهم، ويسعدون بما تقوم به من عمل، وتنثر كلماتها الجميلة على من حولها، تحاول دائمًا أن تخفف عنهم ما يعيشونه من مصائب نتيجة هذا العدوان.
وتضيف: لم تكن هيا مجرد صحفية أو منشدة، بل كانت قلبًا نابضًا بالعطاء، ورغم صعوبة الحياة في غزة، لم تكن تتردد في تقديم يد العون لمن يحتاجها، هيا كانت تكفل الأيتام وتشارك في رعاية الأسر الفقيرة، وتتواصل مع جميع المؤسسات لتأمين المساعدات لهم، وحتى خلال العدوان كانت تخرج بنفسها لتسليم الأمانات للعائلات المحتاجة، ليس فقط من خلال المؤسسات، بل من مالها الخاص أيضًا.
الموت خوفًا في فلسطين لا يقتصر على غزة وحدها، فالاحتلال الإسرائيلي ينشر الرعب في كل بقعة من هذا الوطن، حيث وفي قصة مشابهة لما جرى مع هيا، حصلت في مدينة بيت لحم في 29 أيلول/سبتمبر 2022 عندما استشهد الطالب الطفل ريان ياسر سليمان الذي لم يكن حينها يتجاوز من العمر (7 أعوام) استشهد من الخوف بعد مطاردته من قبل قوات الاحتلال، في بلدة تقوع جنوب شرق المدينة.
حينها، لاحق الجنود طلبة المدارس في منطقة "خربة الدير" في تقوع ببيت لحم، أثناء عودتهم لمنازلهم، ونتيجة الخوف الشديد توقف قلب الطفل ريان، ونقل على إثرها إلى المستشفى، قبل أن يعلن استشهاده.
كان لهيا مرتجى حلمها، كما أكثر من 50,523 ألف شهيد قتلهم الاحتلال منذ بدء العدوان، هؤلاء أيضًا كانت لهم أحلامهم وآمالهم وطموحاتهم بأن يصبحوا يومًا ما يريدون قبل أن تمزقهم الصواريخ وتحولهم إلى أشلاء وجثث مقطعة ومتفحمة، أما السؤال الذي راود هيا على الدوام متى ينتهي العدوان، متى ينتهي الموت والألم، فهو بلا إجابة.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها