بقلم: الحارث الحصني

"عيد بأي حال عدت يا عيد".. لسان حال الفلسطينيين وهم يستعدون لاستقبال عيد الفطر في ظل استمرار العدوان وحرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما يرافقها من تداعيات طالت مناحي الحياة كافة.

ولطالما كان العيد مناسبة تجتمع فيها العائلة في أجواء من الفرح، وتعلو فيها الابتسامة على وجوه الأطفال، إلا أن الواقع المأساوي الذي فرضه الاحتلال عبر استمرار حربه على قطاع غزة وعدوانه على محافظات الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، وحواجزه العسكرية التي تقطع أوصال الضفة، يحرم الفلسطينيين من أبسط طقوس وتفاصيل العيد.

ولا تزال الأوضاع المعيشية والاقتصادية للمواطنين في محافظات الضفة الغربية صعبة، حسب الشهادات التي تخرج من السوق الفلسطينية. والشريحة الأكبر من المواطنين لا ترى أي تحسن على الوضع المعيشي أو الاقتصادي في المحافظات كافة نظرًا لإجراءات الاحتلال وانتشار الحواجز العسكرية والاقتحامات المتكررة لمراكز المدن والقرى والمخيمات، عدا عن استمرار الأزمة المالية نتيجة قرصنة أموال الضرائب الفلسطينية "المقاصة".

ووصل عدد الحواجز والبوابات الحديدية التي نصبها الاحتلال في الضفة الغربية إلى 898 حاجزًا عسكريًا وبوابة حديدية، منها 18 بوابة حديدية نصبها الاحتلال منذ بداية العام الجاري 2025، و(146) بوابة حديدية نصبها الاحتلال بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

وفي طوباس، إحدى محافظات شمال الضفة الغربية التي تعرضت لسلسلة من اقتحامات الاحتلال وتدمير البنية التحتية والغارات من المسيّرات، تغيب أي مظاهر للعيد في الأسواق.

ومقارنة مع الارتداد الايجابي الذي من المفترض أن يأتي به العيد على الحركة الاقتصادية بالشكل الطبيعي عادة، فإن حركة الاقبال على التسوق هذه الأيام حسب شهادات بعض التجار، أقل من عادية.

وقال أحد تجار الملابس في طوباس، عبد الله دراغمة: "السوق لا زال متوقف تمامًا، أنت تتحدث عن أكثر أيام العام مبيعًا". تجار آخرون من طولكرم وجنين، قالوا كلامًا مشابهًا.

والأقاويل التي أمكن سماعها من المواطنين في عدة محافظات، تكاد تكون متشابهة، لكن تزداد حدتها في محافظتي جنين وطولكرم بالتحديد، تزامنًا مع استمرار العدوان الإسرائيلي في هاتين المحافظتين منذ أكثر من شهرين متتابعين.

وأوضح مدير الغرفة التجارية والصناعية في طوباس معن صوافطة أن التقارير الاقتصادية تتحدث عن انكماش اقتصادي بالضفة وصل لــ30%، لكن يزداد الوضع سوءا في شمال الضفة الغربية (طوباس، جنين، طولكرم، نابلس).

ويعزي صوافطة هذا التدهور في الوضع الاقتصادي إلى استمرار العدوان الإسرائيلي في الشمال سواء بشكل متواصل كما في طولكرم، وجنين، أو متقطع كما في طوباس ونابلس.

وأسفر العدوان المتواصل على جنين ومخيمها وطولكرم ومخيميها طولكرم ونور شمس، عن نزوح نحو 40 ألف مواطن قسرًا عن منازلهم، وتدمير مئات المنازل والمنشآت والبنى التحتية.

ولا يكتف الاحتلال بتجنيد آلته العسكرية في عدوانه على الفلسطينيين، بل يحاربهم حتى اقتصاديًا بصورة مباشرة عبر احتجاز نحو 7 مليارات شيقل من عائدات الضرائب الفلسطينية "المقاصة" منذ عام 2019، تحت ذرائع مختلفة، وقرصنته لأموال المقاصة بنسبة تزيد عن 50% من قيمتها الإجمالية الشهرية، وتعمد تأخير تحويلها بشكل غير مسبوق، وفقًا لوزارة المالية.

وتبين الوزارة أنه في حين كانت هذه العائدات تُحوّل خلال الأسبوع الأول من كل شهر، باتت تُصرف الآن بعد منتصف الشهر، ما زاد من تعمق الأزمة المالية للحكومة الفلسطينية، لافتةً إلى أن هذا التأخير أثر بشكل مباشر على قدرة الحكومة على صرف رواتب الموظفين العموميين في موعدها، وأعاق من قدرتها على الإيفاء بالالتزامات المالية الأخرى، ما أدى إلى مفاقمة الأزمة الاقتصادية وزيادة الضغوط المالية عليها.

ونظرًا لذلك، لم تتمكن وزارة المالية من صرف راتب شهر شباط قبل حلول عيد الفطر، ما انعكس سلبًا على السوق الفلسطينية.

وبالتوازي مع ذلك، تواصل الشرطة الإسرائيلية ملاحقة واعتقال العمال من الضفة الغربية داخل أراضي الـ48، الذين يدخلون بحثًا عن العمل وتوفير لقمة العيش الكريم لعائلاتهم.

وفي الأسابيع الأخيرة، تعرض المئات من العمال الفلسطينيين للاعتقال والتنكيل من الشرطة الإسرائيلية، بذريعة عدم امتلاكهم تصاريح.

وفقد حوالي 150 ألف عامل من الضفة الغربية عملهم داخل أراضي الـ48، بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على وصول العمال إلى أماكن العمل، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بحسب تقرير للبنك الدولي، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة في الضفة إلى 35%.

وبناءً على المشاهدات الميدانية وشهادات التجار، فإن الحركة الاقتصادية في أسواق الضفة قبيل العيد هي الأسوأ منذ عقدين كاملين.