في رحلته الخامسة خلال ٤ أشهر، قال انتوني بلينكين خلال زيارته لرام الله إنه يؤكد دعم الولايات المتحدة لإصلاح السلطة الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. لقد خرج على لسان وزير الخارجية الأميركي العديد من التصريحات الحضارية والإنسانية منذ توليه المنصب، فقد تحدث عن المعايير المتساوية بالازدهار والسلام والكرامة في التعامل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كما وعد صراحة في مؤتمر صحفي بإعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وتحدث عن الاستيطان كعقبة في طريق السلام وعن حل الدولتين، والآن يتحدث عن الدولة الفلسطينية المستقلة.


إن عبارات الإدارة الأميركية إيجابية جدًا من حيث المضمون والكلمات لدرجة قد تستفز صانع القرار الإسرائيلي ويستغلها بقلب الصورة لإظهار الولايات المتحدة الأميركية وكأنها منحازة للفلسطينيين مثلاً! في الحقيقة عبارات بلينكين لا تتجاوز كونها دبلوماسية إعلامية مضللة تنتهي مع النقطة في آخر السطر، على مدار الثلاث سنوات السابقة لم تطبق الإدارة الأميركية أي من وعودها سوى بدعم مالي لبعض المشاريع، أما سياسيًا فلقد ماطلت واشترت الوقت وقدمت كل أنواع الدعم المالي والعسكري لنتنياهو وحكومته المتطرفة للقضاء على أي أمل لحل الدولتين. فمن الناحية العملية زادت أعداد المستوطنين وتفاقمت أعمالهم الإرهابية وزاد التضييق على الفلسطينيين بتكثيف سياسات الابارتهايد العنصرية، ثم من خلال تمكين قبضة المتطرفين وتسليمهم زمام الأمور فيما يتعلق بإدارة الشؤون الفلسطينية، ثم توفير غطاء لجرائم حرب موثقة ترتقي لجريمة الإبادة والعقاب الجماعي، حيث نشهد سيناريو متكامل الأبعاد للقضاء على أي أفق لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ضمن دولة مستقلة، ولهذا فان حديث بلينكين، وإن كان إيجابيًا، إلا أنه متناقض مع الواقع الدموي الذي دعمه في المنطقة، والذي حسب اتفاقية مكافحة الإبادة يعني تورطه المباشر في دعم وعدم منع الجريمة.

الدبلوماسية الأميركية هدفها الدعاية، هذه الدبلوماسية أصبحت مرادفة لدبلوماسية العلاقات العامة أو البروباغاندا التي تظهر الأمور بأبهى أشكالها، ولكنها تفتقر لعامل أساسي في الاقناع والتواصل الاستراتيجي وهو "الحقيقة"، فهي تعتمد على الجاذبية بغض النظر عن الواقع والدليل والحقيقة ويستخدم السياسيون دبلوماسية الاعلام لتندمج بدورها في الدعاية المحلية لتحقيق طموحات سياسية في الوطن الأم، نجح الساسة الاميركان بتجنيد الإعلام لتغييب الحقيقة.

المثال الكلاسيكي لـ "دبلوماسية الذهاب والاياب" او "الدبلوماسية المكوكية" التي قام بها هنري كيسنجر في فترة السبعينات في الشرق الأوسط. على الرغم من أن كيسنجر لم يخصص سوى القليل من الاهتمام لوسائل الإعلام في تصريحاته ومذكراته وكتاباته العامة، إلا أنه ربما يكون مخترع الدبلوماسية الإعلامية الحديثة عام 1973، أصبح كيسنجر وسيطًا بين الجانبين. 

وشملت جهوده الحثيثة لتحقيق فك الارتباط والاتفاقات المؤقتة بين إسرائيل وجيرانها، الاستخدام المكثف لكبار المراسلين الدبلوماسيين الأميركيين على متن طائرته. وقدم لهم تقارير ومعلومات وتسريبات أساسية في محاولة للتأثير على المفاوضات وجهود الوساطة. وكانت الوساطة في الصراع العربي الإسرائيلي في ذلك الوقت صعبة للغاية، وكثيراً ما وصلت المحادثات إلى طريق مسدود. وقد ساعدت دبلوماسية كيسنجر الإعلامية في تأمين التنازلات اللازمة لكسر الجمود.

 لم تكن الإنذارات المتلفزة التي أرسلها الرئيس كينيدي إلى الاتحاد السوفييتي بشأن أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، وزيارة نيكسون للصين عام 1972 وزيارة السادات للقدس عام 1977، أعمالًا دعائية؛ لقد تم تصميمها لتحقيق اختراقات في الأزمات والصراعات, من الواضح أن بلينكين يسعى ليكون كيسينجر القرن الـ٢١ في تاريخ الدبلوماسية الحديثة، إلا أن تغييبه لعنصر الحقيقة لن يرحمه في توثيق العمل الدبلوماسي في حل الصراع في الشرق الأوسط, تكرار العبارات الإيجابية تجاه حقوق الشعب الفلسطيني قد تعني حسن النوايا، ولكن السياسات المطبقة على الأرض هي ما يقرر الحقيقة الواضحة، وهي ان الإدارة الأميركية لم تحترم كلامها، وسياستها بالوقوف لجانب نتنياهو ودولة الاحتلال في توفير غطاء لجرائم الحرب ضد الفلسطينيين ومنعها لوقف اطلاق النار وتورطها المباشر في القضاء على الحق الفلسطيني في تقرير المصير، سياسة ميكافيلية همها المراوغة والمماطلة وتشتيتنا بالتفاصيل، بينما تبقى الإدارة الأميركية الوحيدة القادرة على لجم جنون وإجرام نتنياهو لأنها باختصار عموده الفقري المالي والعسكري.