في السنوات الأخيرة، وفي ظل المأزق الذي يعيشه المشروع الوطني، كثيراً ما يتم قراءة منظمة التحرير الفلسطينية، تاريخها ومواقفها وقراراتها، كما وكأنها كانت تعمل خارج الزمان والمكان، وخارج السياق السياسي والتاريخي والتطورات الإقليمية والدولية. وكثيرا ما يجري التعامل مع المنظمة وكأنها كانت تمتلك كل أوراق المتعلقة بالقضية الفلسطينية وتسيطر على كل فلسطين وهي التي فرطت بها، أو إنها اختارت الانتقال من هدف التحرير الكامل للتسوية السلمية لمجرد أنها أخطأت سياسياً وبالتالي يتم تحميلها مسؤولية كل ما آلت إليه أوضاع الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
من هنا تأتي ضرورة تذكير أصحاب هذه القراءات ببعض الحقائق الأساسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني والعربي مع إسرائيل الصهيونية والتي يجب أخذها بعين الاعتبار، فعند تناول منظمة التحرير لا بد أن نعرف طبيعة المشروع الصهيوني والقوى الاستعمارية العظمى التي تبنته وقامت بتنفيذه وتقوم اليوم بحمايته. فمن الناحية العملية فان هذه الجهات قد حسمت مصير فلسطين، من وجهة نظرها، منذ وعد بلفور عام 1917 وفي إطار تقسيم المنطقة العربية في اتفاقيات سايكس بيكو عام 1916، لذلك كل ما قام به الشعب الفلسطيني منذ ذلك التاريخ وحتى الآن هو مقاومة هذا المصير الذي تقرر له ولوطنه من قبل هؤلاء.
كما لا بد من تذكير أصحاب القراءات، إن منظمة التحرير عندما تأسست عام 1964 كانت فلسطين وشعبها قد شطبا عن خارطة الشرق الأوسط عام 1948. أما عن ظرف تأسيس المنظمة، الذي جاء بقرار عربي رسمي، فقد تم في لحظة تاريخية كان الانقسام بين الدول العربية حادا بين أنظمة عربية "رجعية" وأنظمة "ثورية تقدمية"، كما ان جمال عبد الناصر صاحب مبادرة تأسيس المنظمة كان خارجاً للتو من فشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا، وبالتالي تراجع فكرة الوحدة العربية، كما انه كان منشغلا في حرب استنزاف في اليمن، وبالتالي فان مسألة تحرير فلسطين، وبالرغم من أنها هدف للشعب الفلسطيني، فإنها كانت شعارا للاستهلاك وللاستخدام من قبل الأنظمة العربية، من دون أي جدية او خطة عمل لتحقيقه.
بعد هزيمة الأنظمة العربية في حرب عام 1964 قبلت الدول العربية بقرار مجلس الأمن 242 الذي يمثل اعترافا عربيا بوجود دولة إسرائيل، بالمقابل فان هذه الهزيمة التي حولت شعار تحرير فلسطين إلى هدف بعيد المنال، فإنها سمحت للشعب الفلسطيني بانتزاع منظمة التحرير من الوصاية والاحتواء العربي الرسمي، كما انتزع قراره الوطني المستقل وعلى الفور اشتبك عسكريا مع إسرائيل.
وجود المنظمة كقوة فلسطينية تمثيلية تمتلك إرادتها الحرة وتشتبك مع إسرائيل عسكرياً أدى إلى قرار دولي وعربي بإعادة احتواء المنظمة ومنعها من الاشتباك مع إسرائيل .
أما بعد حرب تشرين أول / أكتوبر عام 1973 فكان قرار الدول العربية الحاسم الدخول في عملية سلمية سياسية مع إسرائيل برعاية أميركية، التي قادت في نهاية الأمر إلى توقيع مصر على معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979. هذا الواقع الذي نشأ كان يؤكد أن حرب تشرين كانت الحرب الأخيرة في سياق الصراع العربي الإسرائيلي وكذلك فان منظمة التحرير التي تلقت رسالة واضحة من الدول العربية أما الدخول إلى التسوية أو مواجهة التصفية. كما أن الحديث كان يجري في حينه عن فك ارتباطها على الجبهة الأردنية الإسرائيلية على غرار فك الارتباط المصري والسوري مع إسرائيل، هذا الواقع برمته هو الذي قاد منظمة التحرير لبرنامج النقاط العشرة عام 1974 وهدف إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء يتم تحريره من فلسطين، وبالتالي إعطاء أول إشارة بالقبول بالحل السياسي للصراع.
خروج مصر من الصراع شجع إسرائيل على شن حرب 1982 على منظمة التحرير في لبنان وهي الحرب التي قادت في النهاية إلى إبعاد المنظمة والثورة عن فلسطين عدة آلاف من الكيلو مترات عن حدود فلسطين، كما جرى شق حركة فتح والمنظمة عام 1983 كاستكمال للحرب الإسرائيلية عليها تم جرها إلى حرب استنزاف في البقاع وطرابلس والمخيمات في الفترة ما بين 1983 إلى 1986.
المنظمة استعادت قوتها ووزنها من جديد بفضل الانتفاضة الشعبية الفلسطينية التي اندلعت في وجه الاحتلال الإسرائيلي في نهاية عام 1987، الانتفاضة والخوف من إمكانية إجهاضها دفع المنظمة لطرح مشروعها للسلام عام 1988 والاعتراف بالقرار 242.
ما أن طرحت المنظمة مشروعها للسلام في محاولة لاستثمار الدفعة السياسية الكبيرة التي منحتها إياها الانتفاضة، حتى اجتاح صدام حسين الكويت عام 1990 ومن ثم حرب الخليج عام 1991. في موازاة أزمة الخليج هذه وانقسام العالم العربي بشكل عميق بسببها، بموازاة ذلك كان العالم يشهد انهيار الاتحاد السوفيتي ومعسكره الاشتراكي، وهو الحليف الأساسي للمنظمة وللشعب الفلسطيني على الساحة الدولية.
منظمة التحرير التي خرجت من حرب الخليج وأزمتها وهي مصنفة إلى جانب المهزوم، قبلت بحضور منقوص التمثيل بمؤتمر مدريد للسلام في نهاية 1991، عبر وفد أردني فلسطيني مشترك، المنظمة اتخذت هذا القرار كي لا يتم استثناؤها واستثناء الشعب الفلسطيني من الترتيبات الجديدة في منطقة الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، ومن ثم وقعت اتفاقيات أوسلو.
باختصار نقول لأصحاب القراءات أن تناول المنظمة بمعزل عن ما كان يحيط بها من تطورات سياسية موضوعية وذاتية هو أمر له مغزى واحد ووحيد هو التضليل والإساءة للمنظمة وتاريخها ولنضال الشعب الفلسطيني.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها