الشعب الفلسطيني يمتلك ثقافة مقاومة كباقي الشعوب المتحضرة في العالم، حيث نصوص العقيدة والتراث الشعري والأدبي حافلة بقواعد وأخلاقيات وسلوك المقاومة، وقد استطعنا على مدى قرن من الزمن البرهان على إنسانية نضالنا وكفاحنا، ولعل وجود الوجوه الثقافية الفلسطينية على رأس المشهد الثقافي المشتق من المشهد الكفاحي أكبر دليل على مستوى التكوين الثقافي لمناضلي الثورة الفلسطينية المعاصرة، وحتى في كل الثورات الفلسطينية منذ حوالي مئة عام فالمناضل الفلسطيني لم يذهب في يوم من الأيام إلى استخدام الدين في الصراع مع قوى الاحتلال والغزو، حتى أن فلسطين لم تشهد أي صراع داخلي ديني أو مذهبي  وتحديدا منذ بدء تبلور شخصيتها الوطنية.

لكن هذا لا يمنعنا من الاعتراف بأن جماعات (الاسلام السياسي) اقحمت القضية الفلسطينية  في بوتقة الصراعات المؤسسة على مفاهيم دينية، وهذا ما اعتبرناه اشتراكا مباشرا في مؤامرة كبرى مع قوى شر استماتت للقضاء على قيم الإنسانية الناظمة للكفاح الفلسطيني، وتعويضها بقيم الناب والمخلب والبطش ذات الصلة بعالم المفترسات اللابشرية، ما أصاب  ثقافة المقاومة النبيلة بداء العنف المسلح من أجل العنف فقط، الأمر الذي رفضناه بتاتا لأننا كنا ومازلنا الأنبل في سبل وأشكال وأساليب المقاومة، فالكلمة الناطقة باسم الحق، والأهداف المشروعة المستقاة من روح القانون الدولي والحقوق الانسانية، وتكريس صور المحبة وإيماننا بالسلام كانت أسبابا لديمومة وشرعية الثورة الفلسطينية، وتبوء حركة التحرر الوطنية الفلسطينية مركز رمز حركات التحرر العالمية.

دهمنا الخطر عندما دفعت المقاومة النبيلة وحصرت في زاوية المشروع الحزبي الفصائلي الضيق، وأطرت بخطوط دموية عريضة مدادها الدم ومشتقات رموز الموت مثل "الجماجم".

لم نسمع شعارات مثل "الدم يجلب دم" وكأننا في حالة ثأر عشائري عائلي،  أو شعار "نحن نفجر الدم اليهودي ونسافر به إلى الجنة" وكأننا في حرب دينية طائفية إلا بعد توسعة الطريق أمام الجماعات الاسلاموية لدخول الشارع الفلسطيني بكل قوة في اللحظة التي بدأت فيها حركة التحرر الوطني تحصد أولى ثمرات الكفاح الوطني، أما هدف الذين سهلوا الدرب أمام (الجماعة) وأزالوا العقبات، فقد كان تجريد الحركة الوطنية الفلسطينية من شرعيتها، كحركة وطنية، تتبنى النضال من اجل الحرية، تكافح العنصرية كون الشعب الفلسطيني أبرز ضحاياها وتكافح الاستعمار والاحتلال الصهيوني الاسرائيلي لانطلاقه من قاعدة  نكران وجود الشعب الفلسطيني، ولأننا الحقيقة والأصل على هذه الارض، لا يمكن أن نكون كغزاة أرضنا والمحتلين لأرضنا الحاملين علينا بجنود عبئوا بتعاليم تلمودية تقدس السيف اليهودي وتحلل إهدار دماء الآخرين (الفلسطينيين) دون أي اعتبار لقيمتنا الإنسان!!.

نحن لا نكتسب منهجهم، ولا نماثلهم بمفاهيمهم وافعالهم ولا نقلد سلوكياتهم في الحرب، لأننا في الأصل حضاريون، كنا ومازلنا من مؤسسي الثقافة الانسانية الجامعة، لا نعادي ولا نعتدي، لا نحارب أحدا بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو اللون، فنحن نقاوم بشرف حين  يفرض الغزاة علينا القتال، فندافع عن ديارنا وأموالنا، وأهلنا، ولا نقبل انتهاك سيادتنا واستقلالنا.

نجح المتخفون وراء يافطات دينية إلى حد ما في تحويل حركة التحرر الوطنية والمقاومة المشروعة إنسانياً، إلى مجرد فعل عنيف يتوازى تماماً مع شكل ومضمون قتل عشوائي عبثي  يمارسه مجرمو الحرب في جيش الاحتلال ومجرمو الحرب المستوطنون.. وأحدثوا تغييرا في فترة زمنية بسيطة، فيما الاحتلال لم يفلح رغم  امتلاكه وسائل وأدوات دعاية وتزوير عظيمة.

دهمنا الخطر عندما بدأ مشايخ جماعة الاخوان المسلمين فرع فلسطين المسمى حماس ببث مفاهيم وتعاميم مغلوطة عن ثقافة المقاومة ونسبوها إلى قرآن الكريم أو الأحاديث الشريفة، وحصروا ثقافة الجهاد الأكبر بالقتل وسفك الدم، وبالغوا حتى باتوا يعلنون الجهاد هذا على أبناء البلد، بعد استملاكهم عواطف الناس، ومشاعرهم وانفعالاتهم فيما كان الاحتلال يوفر لهم ارضية خصبة لتكريس هذه المفاهيم عبر إعمال آلته الحربية في صدور الأبرياء من الشعب الفلسطيني ما سهل اقتناع شرائح لا بأس بأرقامها بمفاهيم العنف الدموي.

كلنا نعرف مدى انعكاس تعاليم المشايخ السلبية على أفكار الشباب المتحمس المتقبل والمقتنع بدون تحليل أو بإدراك ناقص جدا، فهؤلاء استطاعوا تحويل المقاومة النبيلة إلى مجرد رغبة جامحة للقتل مدفوعة بالكراهية والحقد على الآخر فقط!! فكان أن استبدلوا مصطلح المحتل والمستوطن المستعمر بمصطلح اليهودي، وهم يعلمون أن الشعب الفلسطيني وحركة تحرره الوطنية براء من  الصراع  الديني، وأن الشعب الفلسطيني المؤمن بالرسالات السماوية وقيم ومناهج أخلاق الإنسانية قد وازن كفاحه بميزان العقل والمنطق والحق والطموح نحو الحرية التي هي العقيدة التي لا يختلف عليها اثنان من الناس.

نخشى نشر تعاميم وخطابات العنف الدموي، وقتل الآخر بسبب دينه، أو حتى بسبب الانتماء السياسي، لأننا سنكون أول ضحايا هذه المنظومة الاجرامية، لأن معتنق هذا المنهج سنراه وقد تحول إلى قوة  تدميرية داخل مجتمعه الفلسطيني لا يرى سبيلا للتعايش ابدا، ولا يرى إلا الحزام الناسف حلا سبيلا لفرض مفاهيمة وإلغاء وجود الفلسطيني الآخر في الوطن.