تعيش الولايات المتحدة مخاضًا عسيرًا نتاج تداعيات الانتخابات الرئاسية، التي لم تنته ذيولها وتبعاتها حتى اللحظة الراهنة بسبب رفض الرئيس المنتهية ولايته الإقرار بالهزيمة أمام منافسه الديمقراطي، وذهابه إلى القضاء للطعن بنتائج الانتخابات، التي جرت يوم الثلاثاء الموافق 3/11/2020، رغم إقرار كل من وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA) التابعة لوزارة الأمن الداخلي، والمجلس التنسيقي الحكومي الخاص بالانتخابات (GCC) في بيان مشترك أمس الجمعة الموافق 13/11/2020 عدم وجود تزوير في الانتخابات، ليس هذا فحسب، بل شفعوها بشهادة بأنها "الأكثر أمانًا في التاريخ". وأضاف البيان "ولا توجد أي معلومات تدل على أن أنظمة التصويت دمرت، أو فقدت، أو غيرت الأصوات، أو على تقويض مصداقيتها بأي طريقة أخرى." وفي السياق كتب أحد أبرز المستشارين الجمهوريين، كارل روف (كان كبير مستشاري الرئيس الأسبق بوش الأب، وأحد أعضاء حملته الانتخابية) في صحيفة "وول ستريت جورنال" قبل يومين، جاء في مقالته "أن الدعاوى القضائية التي ينوي الرئيس ترامب رفعها ليست كافية لتغيير النتيجة النهائية." مضيفًا أنه من المستبعد أن ترد له إحدى الولايات التي فاز بها المرشح الديمقراطي." وتابع مؤكدًا أن "المحكمة العليا سترفض طلبات ترامب بمجرد أن تبدأ الولايات بالمصادقة النهائية على نتائج الفرز." وتوافق مع وجهة نظر روف محامي ترامب، مايكل كوهين، الذي أعلن لقناة (MSNBC) في 12 نوفمبر الحالي، أن "ترامب لن يعود إلى البيت الأبيض بعد الميلاد، ولن يحضر حفل التنصيب."

رغم ذلك، فإن الرئيس المهزوم، دونالد ترامب تمكن من إعادة تحشيد عدد من أقطاب الجمهوريين خلفه (ولا أقول جميع الجمهوريين) ومنهم السيناتور، ليندسي غراهام، الذي عارض الإقرار بفوز المرشح الديمقراطي، جو بايدن، وقال أمام وسائل إعلام أميركية يوم الأحد الماضي الموافق 8 نوفمبر الحالي، "إلى ان هذه انتخابات متنازع عليها" ولم تتوصل إلى نتيجة. وأشار في مقابلة مع "فوكس نيوز" إلى إحتمال حدوث "تزوير" أو "أخطاء" قد غيرت نتائج الانتخابات. والأخطر في الحرب التي يقودها ترامب ضد الديمقراطية الأميركية أن ليندسي دعا زملاءه الجمهوريين "إلى التراجع عن فكرة أن فوز بايدن أمر محسوم،" وحذر من أنهم "إذا فعلوا ذلك، فسيكون ذلك بمثابة سابقة بتبعات "كارثية" على حزبهم." وتابع تحذيره للجمهوريين قائلاً: "إذا لم يتحد الجمهوريون (لتغيير) نظام الانتخابات الأميركية وغيروه، فلن يتم انتخاب رئيس جمهوري آخر مرة اخرى." ودعا ترامب لعدم التسليم بالهزيمة. وهو ما يشير إلى أن تيار اليمين المتطرف الجمهوري يتجه نحو تصعيد المواجهة مع الديمقراطيين، ومع الدولة الفيدرالية ومع المؤسسات الحاكمة في الولايات ذات الصلة لنتائج الانتخابات، وبالتالي ضد الشعب الأميركي بمكوناته كلها. ولهذا نبه جون برينان، رئيس "CIA" الأسبق من السبعين يومًا المتبقية لترامب في البيت الأبيض. وأضاف في لقائه مع CNN لوولف بليتزر أنه "قلق للغاية مما قد يفعله الرئيس الجمهوري الغاضب نتاج تهوره قبل حلول موعد تسليم السلطة في 20 يناير 2021."

ووفق العديد من المراقبين في أميركا وأوروبا ودول العالم المختلفة، بأن الرئيس ترامب بات كالثور الهائج، لم يعد يسيطر على ردود فعله، وقد ينحو نحو قرارات تمس بالأمن القومي الأميركي، ولهذا لجأ لخطوة لافتة، وذات مغزى خطير، تمثلت بإقالة مارك إسبر، وزير الدفاع وعدد آخر من كبار المسؤولين في البنتاغون، والتي تأتي في سياق مجموعة خطوات تصب في ذات الاتجاه، وهي : أولاً رفض الإقرار بالهزيمة؛ ثانيًا رفض تسليم السلطة طوعا، وثالثًا تنظيف إدارته المنتهية من المعارضين له، أو الذين يشك في ولائهم. وبالتالي إقالة وزير الدفاع، مارك أسبر والجنرالات الـ 3 الآخرين، وهم رئيس الأركان وكبار المسؤولين المشرفين على السياسة والإستخبارات، والاستعاضة عنهم بموالين له، ومنهم شخصيات مثيرة للجدل، تعتبر انقلابًا في البنتاغون، وإطلاقًا ليد الرئيس ترامب في اختطاف أعمدة أساسية من أعمدة الدولة العميقة، وهذا ما عبر عنه احد المسؤولين في البنتاغون، الذي قال لـ CNN في 11 نوفمبر الحالي "في الوقت الراهن من الواضح أننا انتهينا من عملية قطع الرؤوس"، وهو يقصد اسبر والجنرالات الثلاثة. وهو ما يفترض إمكانية اللجوء لخطوات دراماتيكية خطرة في الداخل الأميركي وعلى أكثر من مستوى واتجاه، تعمق وتزيد من حدة الاستقطاب، وقد تكون بعضها الشرارة، التي تشعل السهل الأميركي بكل تداعياته وأخطاره غير المسبوقة منذ 1867.

وبالتلازم مع ما ذكر، هناك مجموعة من التحركات العسكرية، التي تتم في بحر العرب والمحيط الهندي، وحالة الاستنفار القصوى، والتي قد تحمل في طياتها إشعالاً لنيران حرب في الشرق الأوسط لا تتوقف عند الحدود الايرانية، بل ستشمل دولاً عدة في حال حدث ما لا يحمد عقباه. قادم الأيام يحمل الجواب.