عندما نتوقف عند الخامس عشر من ايار كل عام، ينشد تفكيرنا الى سبع وستين سنة خلت، يوم أعلنت الحركة الصهيونية قيام كيانها على أرض فلسطين، تحت مسمى "دولة اسرائيل".
لا يمكن استحضار كل المراحل التي عبرتها القضية الفلسطينية لأكثر من قرن من الزمن إلا أننا ما نريد التأكيد عليه في هذه الذكرى الأليمة والتي دخلت قاموسنا تحت عنوان النكبة، هو استحضار المسلمات المبادئ الملخصة بالآتي:
أولاً - إن فلسطين لم تكن مستهدفة لذاتها فحسب، بل عبرها الأمة العربية بكل قيمها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها، وبالتالي فإن القضية الفلسطينية بقدر ما هي قضية وطنية هي قضية قومية.
ثانياً - انطلاقاً من استهداف فلسطين ببعدها الوطني. والأمة العربية ببعدها القومي، فإن المشروع القومي المقاوم، والذي تشكل ثورة فلسطين رأس الحربة فيه، هو المشروع الوحيد القادر على إنهاء حالة الاستلاب الوطني الفلسطيني، وإعادة فلسطين الى رحاب امتها، وعليه فإن مشروع المقاومة هو أولاً وأخيراً مشروع عربي بامتياز ورغم كل ادعاء معاكس.
ثالثاً - إن العدو الصهيوني الذي يحظى برعاية ودعم دولي استعماري غير اعتيادي، لا يستقوي من خلال هذه المعطيات فحسب، بل يوظف عوامل الانقسام الفلسطيني أولاً، والانقسام العربي ثانياً، لمصلحة تقوية مرتكزات عدوانه، وبما يجعل ميزان القوى في حالة اختلال دائمة لمصلحته.
رابعاً: استناداً الى كون العدو يرى في الانقسام الفلسطيني والعربي أحد مصادر قوته، فان تجريد العدو من هذه الميزة، لن يكون إلاّ بوحدة موقف فلسطيني على أرضية المشروع المقاوم، وموقف عربي على أرضية مشروع حاضن لحركة النضال الوطني الفلسطيني، وانطلاقاً من مبدأ أن الكفاح الشعبي بكل أشكاله هو المؤهل لصهر الامكانات الوطنية وتوظيف الطاقات القومية، في سياق الاستنهاض الوطني والقومي الشاملين، للحؤول دون الاحتواء السياسي والشعبي في غير مصلحة التحرير.
واذ نؤكد هذه المبادئ – المسلمات، فبناء على اقتناع راسخ لدينا، بأن الصراع مع الصهيونية بكل تجسيداتها السياسية ومنها الكيان الغاصب، وكل المتحالفين والداعمين والمتقاطعين معها، إنما هو صراع وجود وليس صراع حدود، وبالتالي فإن دولة فلسطين هي الدولة التي تقوم على أرض فلسطين من النهر الى البحر، وعليه فإن على الأطراف كافة، ولاسيما الطرف الفلسطيني المنخرط في مفاوضات مع العدو، أن يخرج من وهم المراهنة على انتزاع حقوق وطنية في ظل ميزان القوى السائد والذي لا سبيل لتعديل نصابه لمصلحة القضية الفلسطينية بما هي قضية تحرير للأرض والانسان، إلا بالنضال والعودة الى شعار البدايات التي رافقت انطلاق الكفاح المسلح وعلى قاعدة أن ما اخذ بالقوة لا يسترد إلاّ بالقوة، وأن ما يجب التأكيد عليه أيضاً، أن الوحدة الوطنية الفلسطينية التي نشدد عليها هي الأرضية السياسية التي يجب أن تقف عليها قوى الثورة الفلسطينية بكل فئاتها وفصائلها وعبر تظلّل الجميع بالشرعية التمثيلية التي تجسدها منظمة التحرير الفلسطينية.
واذا كانت التعقيدات والصعوبات التي تحيط بالواقع الفلسطيني كثيرة، إلاّ أن عناصر القوة في الموقف الفلسطيني ليست معدومة ليجري الاستسلام لمعطيات توازن القوى، بل إنها قوية بالايمان والارادة والصمود. وأن الصراع ليس بين آلة الحرب الصهيونية، وحجارة المقالع فحسب، بل هو أيضاً بين ركائز الاستمرار في الكيانات المجتمعية. وأنه أمام تعلق جماهير فلسطين وتجذرها في أرضها، وحالة القلق وعدم الاستقرار التي يعشها الصهاينة، تبرز معادلة جديدة لتوازن القوى، نصابها ارادة الصمود، وصمود ارادة النضال، لحماية الحق والمشروعية في مواجهات الاستيطان الصهيوني، الذي يعمل على قضم الارض وهضمها.
واذ استحضر تعريف الدكتور عبد الوهاب الكيالي للصهيونية بأنها "دعوة عنصرية توسعية، فاشية، دينية، استيطانية، اجلائية مرتبطة نشأة وواقعاً ومصيراً بالامبريالية العالمية" أقول بأن الرد هو بالثورة الشاملة على مساحة فلسطين، كل فلسطين وعلى مساحة الوطن العربي وبانخراط جماهير فلسطين وكل جماهير الامة في فعاليات هذه الثورة التي هي طريق العرب لتحرير فلسطين وتوحيد الامة والتي قال فيها القائد المؤسس الاستاذ ميشال عفلق بأنه بقدر ما يقترب العرب من توحدهم بقدر ما يقتربون من تحرير فلسطين، فالوحدة طريق فلسطين، وفلسطين طريق الوحدة.
واختم بمقولة شهيد الحج الأكبر، شهيد البعث والعراق والأمة الرفيق صدام حسين "بأن فلسطين في قلوبنا وفي عيوننا إذا ما استدرنا الى أي من الجهات الأربع". وهو الذي لم ينس فلسطين في أصعب اللحظات حراجة في حياة الانسان عندما قال: "عاشت فلسطين حرة عربية، قبل النطق بالشهادتين.
هكذا ننظر الى قضية، فلسطين كقضية مركزية للنضال العربي، معها بدأنا مسيرتنا النضالية، ومعها نستمر الى ان تتحرر من رجس الاحتلال وتعود حرة عربية، وقبلة نضالية، لأمة العرب بكل مكوناتها.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها