سيبقى قرارُ الجمعيةِ العامةِ للأممِ المتّحدةِ رقم ١٨١ الصادر في ٢٩-١١-١٩٤٧ الخاصُّ بتقسيمِ فلسطينَ مثالاً على انتهاكِ هذه الهيئةِ الدّوليةِ لمبادئ العدالةِ ولحقوقِ الشعوبِ بالسيادةِ على أرضِها دون تدخّلٍ خارجيٍّ. ومما يزيدُ من حجمِ الجُرمِ الذي مثّلهُ هذا القرارُ أنَّ الأممَ المتّحدةَ قد تمّ تشكيلُها على أنقاضِ عصبةِ الأممِ التي فشلت في حفظِ الأمنِ والسّلمِ الدّوليّينِ ولم تستطعْ تجنيبَ العالَمِ ويلاتِ الحربِ العالميّةِ الثّانيةِ، فإذا بالهيئةِ الدّوليةِ الجديدةِ تؤسّسُ بقرارِها الجائرِ لنظامٍ دوليٍّ جديدٍ قائمٍ على التنكّرِ لحقوقِ الشعوبِ ومعتمدٍ على الظلمِ والتعسّفِ والانحيازِ للخرافاتِ الصهيونيّةِ التي تعجُّ بالتفسيرِ المريضِ للتّاريخ. لقد تمَّ تشييدُ أسسِ العالَمِ الجديدِ الخارِجِ من ويلاتِ الحربِ العالميةِ الثانيةِ على أنقاضِ العدالةِ وعلى حسابِ الشّعبِ الفلسطينيِّ، وبذلكَ يكونُ وصفُ قرارِ التقسيمِ "بالظّلمِ التاريخيِّ" هو الوصفُ الذي يختزلُ كلَّ ما في القرارِ من تطاولِ على فلسطينَ وشعبِها وتاريخِها ومستقبلِها.

 

لا يستطيعُ أحدٌ إجبارَ الفلسطينيِّ على التخلّي عن حدودِ وطنهِ ولا عن اسمهِ وشكل خارطتهِ ولا عن مكانةِ أسماءِ جيرانِهِ في الذّاكرة، وهناكَ جارانِ ثابتانِ يلازمانِ فلسطينَ ويحرسانِها منذُ ولادةِ التّاريخِ في حضنِ فلسطين: البحرُ غرباً والنّهرُ شرقاً، ولا يملكُ أحدٌ وصفَ الأرضِ التي تحتمي بهما وبينَهُما بأيِّ وصفٍ سوى "فلسطين". هكذا يفهمُ الفلسطينيُّ سرَّ العلاقةِ التي تربطهُ بهذهِ الأرضِ، فهي علاقةٌ تصلُ إلى مصافِّ العقدِ الأزليِّ والأبديِّ المقدّسِ، ولا يملكُ أحدٌ أن يجعلَ شعبَنا حلّاً من هذا العقدِ الذي يمنحهُ اسمهُ وشخصيّتَهُ الوطنيّةَ ولونَ عيونِ بناتهِ وسُمرةَ سواعدِ أبنائه. ولأنَّ فلسطينَ هي الأصلُ فإنَّ من الطبيعيَّ أن يرفضَ شعبُنا قرارَ التّقسيمِ الظالِمَ ويتصدّى لهُ ولا يقرُّ بآثارِهِ وتبعاتِه. لقد اتخذَ شعبُنا وقياداتُهُ السياسيّةُ القرارَ الصائبَ حين رفضوا الاعترافَ بهذا القرارِ، ولا نملكُ نحنُ جيلُ أبنائهم وأحفادِهم سوى أن ننحني إجلالاً لهم ولتضحيّاتِهم ولشجعاتِهم في التصدّي للطوفانِ القادمِ من أساطيرِ الشرِّ رغم يقينِهم المسبقِ بأنَّ إمكانيّاتِهم المتواضعةَ لن تستطيعَ أن تكونَ سدّاً في وجهِ هذا الطوفان. ولنا أن نتخيّلَ مدى العارِ الذي كانَ يمكنُ أن يلتصقَ بأسمائنا كأفرادِ وكشعبٍ لو أنّ جيلَ النّكبةِ قد رضخَ -لا قدّرَ اللهُ- لذلِّ التقسيمِ ورضي بالتنازلِ عن جزءٍ عزيزٍ من وطنه! 

 

الوطنُ أكبرُ من الدّولةِ، وإذا كانَ شعبُنا قد قبِلَ بفكرةِ إقامةِ دولةٍ على جزءٍ من وطنِهِ فلا يعني هذا أنّهُ على استعدادٍ للتّنازُلِ عن حقّهِ التاريخيِّ في وطنِهِ. لقد ثبّتَ شعبُنا حقّهُ الأبديَّ في فلسطينَ من خلالِ الإجماعِ الوطنيِّ على التّمسّكِ بحقِّ العودةِ، وهو حقٌّ يقوّضُ أسُسَ الدّولةِ الصهيونيّةِ كما نعرفها الآنَ. هكذا يجبُ فهمُ إصرارِ الأجيالِ المتعاقبةِ على التمسّكِ بمفاتيحِ البيوتِ وأوراقِ "الطابو"، فهي وبشكلٍ مباشرٍ رفضٌ مطلقٌ لقرارِ التّقسيمِ وتمسّكٌ بالوطنِ كوحدةٍ متكاملةٍ لا تستطيعُ السياسةُ تقزيمَهُ أو تقسيمَهُ وحصرَهُ في دولةٍ مهما كانَ حجمُها. فلسطينُ هي وطنُ الشّعبِ الفلسطينيِّ، ولا يستطيعُ قرارُ التقسيمِ أن يغيّرَ من هذهِ الحقيقةِ التاريخيّةِ أو يجبرَ شعبَنا على التخلّي عن التمسّكِ بها. ومن يشكُّ بذلكَ فما عليه سوى محاورةِ الأطفالِ في مخيّم الدهيشة أو جباليا أو عين الحلوة!

 

*قبِلْنا بحلِّ الدّولتينِ في وطنٍ واحدٍ، لكنَّ العدوَّ وحماتَهُ قد قتلوا امكانيةَ إنجازِ هذا الحلِّ، فليكُن الحلَّ إذنْ دولةٌ واحدةٌ في وطنٍ لا يقبلُ القسمة. 

 

٢٩-١١-٢٠١٩

 

رسالة اليوم

رسالة حركيّة يوميّة من إعداد أمين سر حركة "فتح" - إقليم بولندا د.خليل نزّال.

#إعلام_حركة_فتح_لبنان