انتشر تصريح عضو المكتب السياسي لحركة حماس، موسى أبو مرزوق لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية قبل أيام وبعد أن تناقلته وسائل الإعلام المختلفة يوم الاثنين 24 شباط/فبراير الحالي حول تداعيات 7 أكتوبر 2023 كالنار في الهشيم، الذي جاء فيه لأول مرة إقرارًا بخطيئة ما أحدثه هجوم كتائب عز الدين القسام على إسرائيل، الذي شكل ذريعة لأعداء الشعب الفلسطيني لارتكاب الإبادة الجماعية، وقال فيه: "لو كنت أعلم حجم الدمار الناتج عن هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لكنت عارضته". الذي رد عليه مباشرة حازم قاسم أحد الناطقين باسم حركة حماس، وقال: أن موقف أبو مرزوق لا يمثل موقف حركة حماس. لكن قيادة الحركة أصدرت بيانًا آخر، جاء فيه، أن التصريح المنسوب لنائب رئيس الحركة في الخارج "غير صحيح، وتم اجتزاؤه من سياقه، فالمقابلة أجريت قبل أيام، والتصريح المنشور لم يعكس المضمون الكامل للإجابات، وحاول البيان التخفيف من ردة فعل الناطق الرسمي باسمها. ولفت البيان إلى أن أبو مرزوق أراد القول، أن هناك نوعًا من الانفتاح لدى قيادة حماس للتفاوض بشأن مستقبل سلاح الحركة في غزة، وشبه عضو المكتب السياسي للحركة، بأن حركته أشبه بشخص عادي يقاتل مايك تايسون، بطل الملاكمة السابق في الوزن الثقيل، فإذا نجا هذا الشخص غير المدرب من ضربات تايسون، فسيقول الناس إنه انتصر، وفق تعبيره.
هذه المواقف كشفت عن الارباك وفوضى التضارب بين تيارات حركة حماس، فأبو مرزوق شاء أن يلمع مواقف الحركة أمام الولايات المتحدة، التي حاول في تصريح سابق، إبداء استعداد الحركة للتفاوض معها، وتقديم حركته كعنوان لتمثيل الشعب الفلسطيني، قافزًا عن منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأنها مستعدة للتفاوض على سلاح الحركة، والتخلي عنه، مقابل اعتمادها كنقيض للمنظمة، شرط إبقاءها عنوانًا لإدارة قطاع غزة، وعدم تنحيتها من المشهد السياسي وفق تصريحات القيادات الإسرائيلية وممثلي الإدارة الأميركية الجديدة كافة.
بيد أن موقف موسى أبو مرزوق أكد على حقيقة واضحة، والاعتراف الأول من قبل أحد قياداتها المؤثرين في القرار السياسي، أن قيادة حماس تجهل موازين القوى بينها وبين إسرائيل ومن يقف خلفها، عندما حاول البيان التخفيف من إبعاد تصريح الرجل لصحيفة "نيويورك تايمز"، وتشبيهه الحركة بالرجل العادي الذي نازل بطل الملاكمة العالمي السابق، تايسون. ولكن ما أغفله البيان تمامًا، أن الحركة لم تتفادَ ضربات العدو الصهيو أميركي، وأوقعت الشعب الفلسطيني في قطاع غزة في إبادة جماعية وحشية لم يشهدها تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الطويل، التي لم تتوقف عند حدود الدمار الهائل الذي طال نحو 90% من الوحدات السكنية والمرافق الحيوية والمؤسسات والبنى التحتية، إنما أصاب الشعب في مقتل، حيث سقط من أبنائه نحو ربع مليون فلسطيني بين شهيد وجرح ومنكوب بنتائج الإبادة الجماعية.
ومع ذلك، لم تستخلص قيادة حماس الدرس من حرب الأرض المحروقة، وسعت بإصرار للالتفاف على الحقائق والخسائر الهائلة الناجمة عما سمي "طوفان الأقصى"، والتمترس في الرغبة للبقاء والسيطرة على إدارة القطاع، ولم تحاول مراجعة الذات، والكف عن خيار الانقلاب، وفتح المجال لتجسير العلاقة مع منظمة التحرير والدولة والحكومة الفلسطينية، أصحاب الولاية الحقيقية والقانونية والسياسية في إدارة شؤون الدولة والشعب في جناحي الوطن الفلسطيني، وهو الخيار الأمثل لها وللشعب وللدولة والحكومة الشرعية، وجانبت الصواب، ونكأت الجراح بالتخندق في خيارها الأشد بؤسًا ولعنة على مصير ومستقبل وحدة الشعب والأرض والقضية والمشروع الوطني والنظام السياسي، أي الانقلاب المتواصل منذ نحو 18 عامًا، الذي عبث بكل ما تقدم.
النتيجة الجلية مما تقدم، أولاً يكشف عن عدم وجود وحدة موقف لدى قيادة حماس تجاه الوضع الناجم عن الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني؛ ثانيًا تعمق التناقضات بين التيارات المختلفة في الحركة تجاه اليوم التالي من الإبادة الجماعية؛ ثالثًا تغييب مصالح الشعب العليا لصالح الحسابات الفئوية الضيقة والأجندات الخارجية؛ رابعًا الإصرار على تغييب دور منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب، وتقديم المزيد من الذرائع للأعداء لمواصلة الإبادة الجماعية. وغيرها من العوامل التي تضعف الموقف الموحد للشعب والقيادة للخروج من نفق الحرب الوحشية، الأمر الذي يتطلب من القيادة الفلسطينية اتخاذ ما يلزم من إجراءات وقرارات لفرض دورها المركزي على الأرض في أرجاء الوطن الفلسطيني بدعم عربي رسمي وشعبي لحماية المصالح العليا للشعب العربي الفلسطيني.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها