بالرغم من انكشاف دور قطر وقناة الجزيرة في إثارة فوضى ما يسمى الربيع العربي وتمويل الجماعات الإسلاموية المتطرفة وهو ما اعترف به وزير الخارجية ورئيس الوزراء السابق حمد بن جاسم، ومع أن عديد الدول العربية كشفت الدور التخريبي لقطر و مؤسساتها الإعلامية، فقطعت بعضها العلاقة مع قطر وأغلقت أخرى قناة الجزيرة، إلا أنها واصلت دورها التخريبي في فلسطين بتفويض وتكليف من واشنطن وتنسيق مع إسرائيل، فكان دورها واضحًا في صناعة الانقسام الفلسطيني وديمومته وكانت عرابة الانقسام وواصلت تمويله طوال سبعة عشر عاما ومع حرب الإبادة على غزة وكل القضية تواصل دورها الخياني التأمري في تصفية القضية الفلسطينية من خلال دورها كوسيط بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية -المجرم والضحية- وكيفية تغطية الجزيرة لحرب الإبادة على غزة.
وظفت قناة الجزيرة المئات من المحللين السياسيين والخبراء العسكريين والاستراتيجيين عربًا وأجانب وإسرائيليين وبعضهم جنرالات متقاعدين أو على رأس عملهم  وفتحت المجال لكل قادة العدو لمخاطبة الشعوب العربية مباشرة والترويج للأكاذيب والرواية الصهيونية وكلهم على رأي واحد، بينما تستضيف محللين وسياسيين فلسطينيين و عرب لهم مواقف متعارضة ويشتبكون مع بعضهم الى درجة السباب والتخوين.


وظفت قناة الجزيرة كل إمكانياتها وضيوفها وجيش مراسليها لتعظيم شأن المقاومة في غزة وإظهار وكأن الحرب تدور بين دول عظمى وأن جيش الاحتلال يتلقى الهزيمة تلو الأخرى ومرتبك ولا يعرف كيف يتصرف، وأن المقاومة صامدة وقادرة على الصمود لأشهر بل قادرة على هزيمة العدو، مستشهدين بقتيل إسرائيلي هنا أو هناك أو بتدمير دبابة أو جرافة أو برشقة صاروخية بين الفينة والأخرى.
بعد كل الخراب والدمار والموت وسقوط أكثر من خمسين ألف شهيد ومفقود و أضعافهم من الجرحى والأسرى ما زال الخبراء الاستراتيجيون يتحدثون عن انتصارات المقاومة وكأن الضحايا الفلسطينيين مجرد أرقام وخسائر ثانوية لا قيمة لهم، وتواصل قناة الجزيرة ومن يقف وراءهم يضخمون من قدرات المقاومة وقدرتها على تحقيق الانتصار حتى وهم يضغطون على حماس لقبول مبادرة بايدن والشروط الإسرائيلية لوقف إطلاق النار ويهددون بطرد قيادة حماس من قطر إن لم تقبل بالصفقة!
لو كان عند جيش المحللين السياسيين ومن يصنفون أنفسهم خبراء استراتيجيين ذرة من الأخلاق والحس الوطني والإنساني لنصحوا حركة حماس منذ أشهر بالبحث عن وسيلة لوقف حرب غير متكافئة بكل المقاييس ولا تنفع فيها البطولات الفردية، وأن الصراع مع الاحتلال طويل و متواصل ولن تحسمه جولة واحدة من الحرب، ولو كان عندهم ضمير حي ويستحقون الشهادات والرتب العسكرية التي يحملونها لصارحوا حركة حماس أن الوطن أهم من الأحزاب وأن المقاومة ستستمر بحماس وبدون حماس والمهم وقف آلة الموت والدمار والحفاظ على ما تبقى من عمران وبشر، ولو تحرروا من نفسية وعقلية الارتزاق التي تدفعهم ليرددون كالببغاوات ما تريده الجهات التي تقف وراء الجزيرة لصارحوا حركة حماس وبقية فصائل المقاومة في غزة أن صواريخهم عبثية والأنفاق قبور جماعية للمقاتلين ،واستمرارهم بهذا الشكل من المقاومة يمنح العدو مزيداً من الوقت لتنفيذ مخططاته التي يتجاهلها المحللون السياسيون والخبراء الاستراتيجيون وهي اطالة أمد الحرب لاستكمال حرب الإبادة والتطهير العرقي.

 
لو كانت قناة الجزيرة وجيش محلليها وخبراؤها حريصين على الشعب الفلسطيني والمقاومة لقالوا لحركة إن غزة المحدودة جغرافيا وفي إمكانياتها والمحاصرة لا تصلح لتكون قاعدة ومنطلقًا لتحرير فلسطين، وأن المقاومة لا يمكن أن تكون فصائلية وبدون استراتيجية وطنية شمولية، ولو كانوا ملمين بالسياسة والاستراتيجية و تجارب حركات التحرر لصارحوا حركة حماس أن حركات التحرر الوطني لا تُرهن قرارها ومصير الشعب بمشاريع وأجندة خارجية توظف القضية الفلسطينية لمصالحها القومية، ولو كانت قناة الجزيرة وجيش خبرائها حريصة على الشعب الفلسطيني لواجهوا قادة حماس بحقيقة أن إصرارهم على البقاء في الحكم في غزة حتى بعد وقف الحرب معناه اشتغالهم كعملاء  للاحتلال أو استمرار حصار ومعاناة أهل غزة واستمرار الانقسام.