بيان صادر عن قيادة حركة "فتح" في لبنان:
(وثيقة إعلان استقلال دولة فلسطين لتثبيت الحق الفلسطيني في نيل الحرية والاستقلال، وإقامة الدولة، وتثبيت القدس عاصمةً لها)


يا جماهير شعبنا الفلسطيني في كل الأراضي الفلسطينية، وفي كل بقاع الشتات والمخيمات، وفي كل ساحات المواجهات والتحديات والصمود.
نحن نحيي اليوم ذكرى إعلان وثيقة استقلال الدولة الفلسطينية، الذي جرى في المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني العام 1988، والذي جاء حصيلة نقاشات وحوارات بين الفصائل، والقيادات المشاركة في المجلس الوطني، واستمرت لعدة أيام. كانت جولات الحوار حادة وصاخبة، ومتفاعلة، ولأنَّ القوى المشاركة في هذا المؤتمر كانت تدرك مخاطر المرحلة الفلسطينية الداخلية، وأيضاً التي تهدّد مسيرة ومستقبل القضية الفلسطينية، فإنّ خلاصات هذه الحوارات الحادة، ولكنها الموضوعية، جعل إمكانيات التفاهم والتوافق تتغلّب على الخلافات في وجهات النظر، وتعطي الأولوية للوحدة الوطنية، وللتماسك الداخلي بوجه العدو الصهيوني المحتل لأرضنا.
وعلينا أيضاً أن نتذكّر الأزمات الخانقة التي عاشها شعبنا وثورتنا، وعلاقاتنا الداخلية المأزومة سياسياً وأمنياً ووطنياً في مرحلة الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، والقضاء على البنية الوجودية لمنظمة التحرير الفلسطينية في الجنوب، إضافةً إلى التصدعات داخل إطار حركة "فتح" وأبعاده، وتشتُّت القوات والقيادات في العديد من الدول العربية والإرباكات الداخلية في مختلف الأطر الفلسطينية المشتركة، عدا عن أوضاع المخيمات المأساوية اقتصادياً، واجتماعياً، وأمنياً، وسياسياً.
في ظلِّ هذه الاختناقات المتراكمة آنذاك، كان الرئيس الرمز ياسر عرفات يسعى جاهداً، ومع مختلف الأطراف الصديقة، من أجل ترميم العلاقات الفلسطينية الداخلية، وإنقاذ الموقف.
من هنا جاءت أهمية وتأثير اندلاع الانتفاضة الشعبية الأولى في 9/12/1987، والتي بدأت شرارتُها من مخيّم جباليا، بعد تعمُّد سيارة عسكرية صهيونية دَهْسَ أربعة من الشبان العائدين من العمل، واستشهدوا جميعاً، وبدأ حريق الثورة ينتشر ليشمل القطاع والضفة الغربية، ولتعمَّ جميعَ أرجاء الأراضي الفلسطينية.
مع بداية انطلاقة الانتفاضة، التي هندسها وقادها خليل الوزير عمليّاً، وميدانيّاً، وشاركت فيها مختلف فصائل "م.ت.ف" في إطار القيادة الوطنية الموحَّدة للانتفاضة، والتي قطعت شوطاً على طريق إنجاز توحيد المواقف داخل إطار "م.ت.ف"، وهذا ما ذلَّلّ الكثير من الصعوبات والتعقيدات في العلاقات، وبالتالي أصبحت هناك إمكانية لانعقاد دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني على أرض الجزائر، التي كان لقيادتها دور مهمٌّ ومؤشر في تفكيك الخلافات والتعقيدات، ولهذه الأسباب فإنَّ الانتفاضة التي بدأت انطلاقتها في ظروف فلسطينية سياسية مؤاتية ساعدت على نجاحها.
لقد شكَّل انعقاد المجلس الوطني في الجزائر العام 1988 إنجازاً تاريخياً لأنه أسَّس لانطلاقة فلسطينية جديدة تعتمد على برنامج سياسي واضح، ومتّفق عليه من الغالبية العظمى في المؤتمر، وقد استند هذا البرنامج في شرعيته إلى قرار الأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين، وبالتالي قبول منظمة التحرير لمبدأ حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس مبدأ الدولتين، وضمان حق اللاجئين بالعودة إلى أراضيهم التي شُرِّدوا منها، وتثبيت الحق الفلسطيني في نيل الحرية والاستقلال، وإقامة الدولة، وتثبيت القدس عاصمة لها.
لقد جاء إعلان وثيقة الاستقلال التي صاغها الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش بكلِّ عناية، وأعطاها الأبعاد السياسية والوطنية والتاريخية والوجدانية التي تستحق، حتى تكون وثيقة الكل الفلسطيني، وقد أعلنها أمام المجلس الوطني في الجزائر، القائد الفلسطيني الرمز ياسر عرفات بالقول: "استناداً إلى الحق الطبيعي والتاريخي والقانوني للشعب العربي الفلسطيني في وطنه فلسطين وتضحيات أجياله المتعاقبة دفاعاً عن حرية وطنهم واستقلاله، وانطلاقاً من قرارات الأمم المتحدة منذ عام 1947، وممارسة من الشعب العربي الفلسطيني لحقه في تقرير المصير والاستقلال السياسي والسيادة فوق أرضه، فإنَّ المجلس الوطني يعلن، بِاسم الله وباسم الشعب الفلسطيني قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف".
بمناسبة ذكرى إعلان وثيقة الاستقلال، فإنّنا نؤكِّد أولاً بأنَّنا كشعب مكافح ومنذ انطلاقة الثورة كان هدفنا الأساس هو تحرير الأرض، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، واستطعنا عبر هذه المسيرة الطويلة أن نحقِّق الاعتراف الدولي بدولة فلسطين كعضو مراقب، وأن تعترف بهذه الدولة الفلسطينية مئة وأربعون دولة، وفي التصويت على القضايا البارزة والمصيرية كانت الأغلبية الساحقة من دول العالم تنتصر لفلسطين، ولا يقف مع الاحتلال بعد التهديدات الأميركية سوى ثماني دول غالباً. وعلى الجميع أن يتذكر بالانتصار الساحق في الحصول على الموافقة من كافة الأعضاء في مجلس الأمن على القرار 2334 الذي أكّد الحقوق الفلسطينية، ورفض الاستيطان في الأراضي الفلسطينية لأنها تابعة لأراضي الدولة الفلسطينية، وقد صوَّت الجميع لصالح فلسطين بما في ذلك الولايات المتحدة بتعليمات من أوباما.
ثانياً: إنّ الشعب الفلسطيني انخرط وما زال ومنذ البداية بالكفاح الوطني ضد الاحتلال وقدَّم التضحيات، وما زال يقدِّم النماذج البطولية الرائعة، وما زالت المخيمات الفلسطينية وفيةً لأرض الوطن، والمقدسات، والدفاع عن الثورة وما تصبو إليه جماهير شعبنا، وما تحلم بإنجازه هو إنجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية، لأنّ الانقسام واستمراره كسر ظهر القضية الفلسطينية، وأوجد حالة إحباط في صفوف الجماهير، وهذا الانقسام شكَّل سلاحاً قوياً بيد العدو الصهيوني والذي من خلاله يدمِّر تطلعات الشعب الفلسطيني ويعزز مشروعة الاستيطاني.
ثالثاً: إنَّ صناعة الاستقلال الوطني، وتعزيزه عملياً، ووضع ركائزه الثابتة يحتاج إلى تعزيز القوى الفلسطينية ثقتها بنفسها، وأنها هي صاحبة القرار السيادي بعيداً عن التجاذبات الإقليمية والدولية، الساعية باستمرار إلى الهيمنة والسيطرة على القضية الفلسطينية. ونحن نقول وبعد هذه التجربة المريرة والطويلة، والتي عاشها أهلنا الصامدون في كافة الأراضي المحتلة، وأثبتوا عملياً تجذُّرَهم في أرضهم، وفي مخيماتهم، وفي مقدساتهم، وأنهم مؤهلون بتضحياتهم الجسيمة على هزيمة الاحتلال، وحماية هذه الأراضي المباركة، وتحرير الأرض، وتطهير القدس وأقصاها، وقيامتها، وقبة الصخرة وخليل الرحمن.
يجب أن تبقى راية الاستقلال والحرية والسيادة والأعلام الفلسطينية ترفرف في كل مكان وزمان، ولا تغادر الذاكرة.
رابعاً: إنَّنا وفي هذه المناسبة الوطنية نؤكد خطورة المشروع الصهيوني الذي يتم تنفيذه في الأراضي المحتلة، وخاصة في قطاع غزة، حيث يعمد نتنياهو وفريقه اليميني العنصري إلى التصعيد في القصف، والتدمير، وارتكاب المجازر بحق المدنيين كما حصل مؤخراً في قطاع غزة حيث زاد عدد الشهداء على أربعة وثلاثين شهيداً، ونحو مئة وعشرين جريحاً، وهناك بين الشهداء والجرحى أطفال ونساء، وبيوت مدمَّرة على أصحابها.
وما يريده الاحتلال وخاصة نتنياهو هو تفتيت الوضع الفلسطيني الداخلي، وإضعاف هذه الجبهة، وهذا الموقف الفلسطيني دولياً، لجعل الحلول المطروحة هشَّة، وبعيدة عن الإجماع الفلسطيني، واستبعاد قيادة "م.ت.ف" عن التحركات التي تجرى هناك، لأنَّ نتنياهو يهتم الآن بقضاياه وحساباته الشخصية، والنجاة من التحقيق في المحاكم، وهذا لا يحققه إلاَّ من خلال المزيد من القصف والتدمير، والقتل ليرفع رصيده الداخلي في الحسابات السياسية ويصل إلى ما يريد.
ونحن نتحدث عن الدولة وعن الاستقلال علينا أن ندرك بأن النصر والانتصار لا يكون إلَّا من خلال الرؤية الفلسطينية الموحَّدة، والقرار الفلسطيني المستقل، واحترام خيارات شعبنا السياسية والوطنية التي يقررها هو في الانتخابات القانونية التشريعية والرئاسية، والتي تكون ملزمة لكافة الفرقاء بعيداً عن الأهواء، والحسابات الضيقة الحزبية والشخصية.
وفي هذه المناسبة نحيي الشهيد القائد الرمز ياسر عرفات في ذكرى رحيله، كما نحيي كافة القيادات الفلسطينية التي ضحت على طريق الشهادة والسيادة والحرية والاستقلال وتحرير المقدسات.

وإنّها لثورة حتى النصر
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
والعزّة والمنعةُ لأسرانا الأبطال
والشفاء العاجل لجرحانا وهم على طريق العطاء

قيادة حركة "فتح" في لبنان
إعلام الساحة
15-11-2019